التّأويل الشّعْبيّ..!

د. محمد عبدالباسط عيد

التّأويل الشّعْبيّ..!

د. محمد عبد الباسط عيد
07:00 م الجمعة 03 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لعلّ أهمّ ما يميّز الإنسان هي قدرته على إنتاج العلامات وإيجاد العلاقات بينها، وخلق التصورات والمفهومات، وطرح رؤى متماسكة أو شبه متماسكة لما يدور حوله في الواقع وما بعد الواقع... إنه ينتج ما يمكن وصفه بالمذكرة التفسيرية التي تجيب عن تساؤلاته الأساسية، وتجعل عالمه مفهومًا بقدر ما، وهذه المذكرة تُشكّل الخلفية والمرجعيّة لدى عموم الناس، وهم لا يفكرون كثيرًا في مراجعتها في عصور الاستقرار الاجتماعيّ والسياسيّ والعلميّ، ولكنها تتعرض لمراجعات كبيرة في عصور الثورات والتحولات.. نحن إذن نتحدث عن الأرشيف الفرديّ والجمعيّ الذي يتحكم فينا ويوجهنا، بل ويملي علينا سلوكنا ومواقفنا تجاه الناس والأشياء وكلّ ما يحيط بنا.

ولعلنا لا نختلف كثيرًا إذا قلنا: إننا نعيش في زمن لا يعرف الاستقرار، على مستويات السياسية والاجتماع والمعرفة؛ فكلّ تصوّر أو معتقد تنتصب عليه عشرات من علامات الاستفهام التي تشير إلى مواطن النقص وغير المستقر؛ فهذا زمن العولمة والتغيّرات الموسّعة، وكل تغيّر يسبقه شكٌّ وأسئلة دون أجوبة تُفكّك بِنْيَة الأرشيف السائد والمستقر.

لقد اقتربت الثقافات في عصرنا كما لم تقترب في عصر مضى، وتعرّض الأرشيف المرجعيّ لكل جماعة ثقافية إلى كثير من النقد، بعض هذا النقد لا يخلو من قسوة وإدانة وغير قليل من التجريح، ولكن هذا لا ينفي أن بعض النقد حقيقيّ أيضًا، خاصة ما يتصل منه بالبحث في القيم التي تعوق ثقافتنا عن النهوض وملاحقة غيرها من الثقافات الأخرى المؤثرة عالميًا، هناك خوف محلي واضح من الاندثار والتذويب، وهناك مقاومة واضحة، وكثيرًا ما تأخذ بعدًا دراماتيكيا يتجلى على نحو كبير في الهروب نحو الماضي والفرار من الحاضر..!

لقد جعل الواقع السابق التّأويل فعلًا يوميًّا، وحاجة مُلّحة، وهي في إلحاحها أقرب ما تكون إلى تحديثات البرامج الذكية التي لا تتوقف عن التطور والتغير.. فلم يعد التّأويل إذًا حاجة معرفيًّة يقوم عليها الأساتذة والدارسون حصراً، كما كان يحدث قديمًا، وإنما أصبح ضرورة عمليّة يوميّة نفعيّة متسارعة، يقوم به آحاد الناس وتقوم به الجماعة، وهذا كله جعل التّأويل ميدانًا فسيحًا لجدل العلاقة بين أسئلتنا الحاضرة الضاغطة وتراثنا بكل ما ينطوي عليه من تركيب وتعقيد، طبقًا لدرجة حضور التّراث في الوعيّ الجمعيّ والفرديّ، وشكل هذا الحضور ومستواه؛ فالتُّراث يبدأ من الخطابات الأوليّة للجماعة الإنسانيّة كالعادات والتقاليد والحكم والأمثال والتصورات الكلية التي تميز جماعة من الناس عن سواها، إضافة إلى المنظومة المعرفية العلمية التي تضم حقول التراث ومعارفه المختلفة، وهي بالتأكيد تتفاوت في مستويات التأثير على الوعي المتشكل في لحظة الحضور، بما هو رؤية قائمة هنا والآن.

وهذا يعني أن التّأويل عملية مركّبة، وفي مساربه الدّقيقة يمكنك أن تتأمل الظلال الخفية التي تميّز كل ثقافة بقدر ما تتأمّل الجامع الإنسانيّ العام الذي يخترق الثقافات والجماعات. فالملاحظ أن كل جماعة بشرية تؤول خطاباتها الفاعلة والمؤثرة في وعيها طبقًا لطموحها وغايتها العمليّة، ولك أن تقول طبقًا لمصالحها، ولذا فهي لا تبالي بأي تفسير يتعارض مع هذه الغايات.

ولا يقتصر هذا على خطاب دون سواه، وإنما يتسع؛ ليشمل كلّ الخطابات: الدينيّة والسياسيّة والثقافيّة والفنيّة والأدبيّة... وما يتصل بذلك كلّه من بروز قيم جديدة لم تكن معروفة، وتراجع قيم قديمة كانت راسخة. وفي ثقافة مثل ثقافتنا يهيمن عليها الخطاب الدّينيّ أكثر من سواه، فمن البديهيّ أن نتوقع قدرًا من التعارض بين ما يقدمه هذا الخطاب من طروحات اجتماعيّة وسياسيّة وثقافيّة وحاجات الناس في واقع شديد التَّغيّر، وتغيّره يأتي بالأساس من اتصاله بالغرب وتوسّع هذا التّغيّر مع ثورة الاتصالات التي ربطت جنبات المعمورة على نحو غير مسبوق... والخطاب الديني – بطبيعته- يمتاز بالمحافظة، ويرتاب في التأويل، كما أنّه مشدود إلى ماضيه التّأسيسيّ، باعتباره نقطة نورانيّة متعالية ومنجزة على نحو مكتمل، وصالحة للقياس وقابلة – بقليل من التعديل – للتعميم على ما يستّجدّ من أحداث..!

ومن هنا يبدو هذا الخطاب موضوعًا للشَّدِّ والجذب، وميدانًا لاختبار مستويات التفاعل، وحضور التّأويل الشّعبيّ أو التّأويل العام. ولمزيد من التحديد سنضرب مثالًا بفتويين اثنتين قال بهما الشّيخ الشّعراويّ، وهو مرجعيّة سُنيّة تحظى بحضور شعبيّ هائل:

الأولى: وهي فتوى عدم جواز نقل الأعضاء البشرية من الأصِّحاء إلى المَرْضى، وقد أثارت – في منتصف التسعينيات - لغطًا واسعًا، بين المؤيدين والمعارضين، وبعدها استمرَّت عمليات نقل الأعضاء دون توقف، لقد تجاهل الأطبَّاء والمرضى فتوى الشيخ تمامًا؛ لأنها لا تتعارض مع رغبة الناس في حياة أطول فحسب، وإنما تتعارض مع الجوهر التكنولوجي الذي يُهيمن على عصرنا، وبتطوره جعل نقل الأعضاء عمليّة آمنة إلى حدّ كبير.

الثانية: وهي هجوم الشّيْخ على جماعة المشايخ الذين يعالجون الناس بالقرآن، وعلى الفكرة برمتها، معتبرًا ذلك مجرد "دجل في دجل"..!

تبدو هذه الفتوى تنويريّة تقدميّة، وهي كذلك بالفعل، ورغم ذلك، فالمجتمع لم يعرها انتباهًا، واعتبرها كسابقتها، كأن لم تكن، فلم تزل فكرة العلاج بالقرآن مُهيمنة على كثير من الطَّبقات والفئات، ويؤصّل لها مشايخ يكنِّون للشّعراوي تقديرًا كبيرًا..!

ولعلّ ذلك يرتبط بأنساق ثقافيّة دينيّة عميقة الجذور؛ تخلط بين الدينيّ والطِّبيّ، وتوحِّد بين الكاهن والطّبيب، وتُرهن واقع الأرض بعالم السماء، وربما يرتبط بمستوى آخر، لا يخلو من بعد هروبيّ، في ظلّ تصورات سياسيّة شموليّة، تبتلع فيها الدولةُ المجتمع، ويبتلع فيها المجتمعُ الفرْدَ، في هيراركية اتّكاليّة صاعدة... وسواء أكان هذا أم ذاك، فالنتيجة واحدة، وهي أننا صرنا إزاء إنسان عاجز عن المبادرة، وتحمّل المسؤوليّة، وغير قادر على رؤية الظاهرة في أبعادها المادية بما هي موضوع قابل للفهم والتحليل والمعالجة.

إعلان

إعلان