جورج سيدهم.. غمازتان في خدي مصر

الكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت

جورج سيدهم.. غمازتان في خدي مصر

د. ياسر ثابت
07:07 م السبت 28 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

الندمُ والخجلُ بليغان.

وجورج سيدهم أراد قبل الرحيل حزنًا عريضًا يوازي حجم الضحك الذي منحه للآخرين.

أراد عزاءً لائقًا، يُخجِل الفلاسفة، ويصفقُ له نجيب الريحاني. أراد لسيرفانتس أن يسمع طواحين نداءاته، ولفؤاد المهندس أن يُعمِّد موهبته. أراد للضيف أحمد أن يتذكره، ولسمير غانم ألا ينساه!

ونحن أحببنا جورج سيدهم. هذه الروح التي تفيضُ نورًا، والإرادة التي توقد شمعتين كأنها ابتهال ودعاء.

هذا الممثل السوهاجي خفيف الظل، غمازتان في خدَي مصر.

مرحٌ ونشيط كأن ذاكرته للمستقبل. وجهه الضاحك كان يشع انبساطـًا. يحِبُّ فكرة أنك تُحِبُّ ما يُحِبُّ ويصنع.

أحد أعمدة فرقة «ثلاثي أضواء المسرح»، مع الضيف أحمد وسمير غانم، الذي أثبت نجاحه أيضًا خارج أسوار الفرقة.

تأمله جيدًا في «الشقة من حق الزوجة» و«البحث عن فضيحة»، على سبيل المثال لا الحصر.

لم يكن عابرًا في أفلامه الأخرى، مثل «القاهرة في الليل»، «آخر شقاوة»، «أفراح»، «30 يوم في السجن»، «الزواج على الطريقة الحديثة»، «الليل 77»، «الحرامي»، «نشال رغم أنفه»، «غرام تلميذة»، «مدرسة المشاغبين»، «قاع المدينة»، «حب على شاطئ ميامي»، «أحلى أيام العمر»، «البعض يذهب للمأذون مرتين».

نجم الاسكتشات المسرحية والأداء التلقائي في «طبيخ الملائكة»، «فندق الأشغال الشاقة»، «حواديت»، «كل واحد وله عفريت»، «الراجل اللي جوز مراته»، «موسيكا في الحي الشرقي»، «جوليو ورومييت»، «المتزوجون»، «أهلا يا دكتور».

محملًا بثقافة موسيقية واسعة وموهبة متدفقة، كان غناؤه الخفيف يفكك ما هو قائم ويعيد صياغته في لهو متصل، حتى لا تظل الأشياء على ما هي عليه. يعبث بها على نحوٍ يجمع بين الضجة والمنطق وموسيقى الحياة.

لا يسعك أيضًا إلا أن تعتبره من أفضل من أدوا الأدوار النسائية الساخرة. تذكّر اسكتش «الواد خلي بالك منه».

لا سكين مخفية في المصافحة.

بعد «المتزوجون» سأل نفسه سؤالًا وجوديًا عن تلك الشراكة الفنية مع سمير غانم:

لماذا نحن معًا؟ لا أعلم.

هل نحن معًا؟ لا أعلم.

ولكنّه كان يعلم كلّ شيء، ويشعر بكلّ شيء.

ها هو يسمع صوت مفاتيح قلبه الصّدئة تقفل بإحكام.

كلٌ في طريق.

الجلطة مسكونة بأفكار مشوشة.

لعله اختبر كثيرًا ذلك الشعور الساحق، من الإحساس بالحاجة للحظة طمأنينةٍ واحدة، للتفكير في كل قراراته المؤجلة.

المبدع الذي لا يعرف الألفة سوى في بيته أو على خشبة المسرح أو أمام كاميرات التصوير، أصبح الآن رهين المحبسين: المرض والجدران.

كان حتمـًا يحتاج البعد بقدر المستطاع عن هذه الدنيا بافتعالاتها من خذلان وابتذال. ربما تمنى كثيرًا أن يطمس ذاكرتها ظنًا منه أن ذكرياتها هي أشباحٌ مقدرٌ لها للأبد أن تسكن عمره.

يقوم الزمن بعمله المُخجِل.

على مر ما يقرب من 18 عامًا تطايرت الأشباح شيئًا فشيئًا، تاركة له حالة حذرة من التأمل وكثيرًا من الصمت.. إلى أن حانت لحظة الوداع.

سلامٌ على الذين جعلوا للتمثيل في قلوبنا قيمةً أرفع ومعنًى أسمى وضحكةً أصفى، لتكون المشاهدة فعلًا جميلًا ويصبح التواصل الإنساني تجربةً أعمق.

سلامٌ على من نال كِسرةً من المجد.. ورحل.

إعلان

إعلان