الفرصة (1)!

عصام شيحة

الفرصة (1)!

عصام شيحة
09:00 م الثلاثاء 17 مارس 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تكاد أحزابنا تدفعنا دفعاً نحو مراجعة جدوى كثير من الأبجديات التي طالما ضمتها الأدبيات السياسية، وتتلمذت عليها أجيال ربما لم تسنح لها الفرصة للممارسة العملية لما اعتنقته من أفكار علماء السياسة ورموزها على مر العصور.

وواقع الأمر أن أحزابنا البعيدة كل البعد عن الشارع جنت ثمار تقصيرها وغيابها عن مسؤولياتها الوطنية، إما لمحاصرتها منذ ثورة 1952، أو لضعف كوادرها، أو لانخراطها في صراعات داخلية سطحية لا صلة لها بجوهر العمل الوطني العام الذي نشأت الأحزاب لتنشغل به وتتخذ منه سُلماً مشروعاً صوب الوصول إلى السلطة.

وفي التفاصيل، أُشير إلى مجموعة من الملاحظات على أداء أحزابنا من واقع ما يلمسه كل مواطن، وليس من خلال كواليس العمل الحزبي الذي انخرطت فيه على مدى أكثر من ثلاثين عاما.

ولعل من المفيد هنا أن أذكر أن أبسط تعريف للحزب السياسي يدور حول أنه كيان يضم مجموعة من الأعضاء تجمعهم رؤى وأفكار ومصالح مشتركة بهدف الوصول إلى السلطة، وعليه أقول:

ـ هل لدينا حزب يسعى بجدية صوب السلطة، لا ليتملقها، ولكن ليمتلك زمامها، ويطرح سياساته وتوجهاته من خلال نيله مشروعية إدارة شؤون الدولة؟!

لا شك أن الإجابة بالنفي لا تثير جدلاً حقيقياً. فقد تحولت أحزابنا مسموعة الصوت (فما بالك بالخرساء) إلى مجرد صدى لصوت الحكومة.

وقد فهم قادة هذه الأحزاب، بالخطأ، أن تأييد الرئيس السيسي يمنعها من امتلاك منظور آخر، وسياسات بديلة، ورؤى أخرى مُبتكرة. وفي ذلك عجب كبير لا يعبر عن مشروعية تطلُعنا لحياة سياسية حقيقية؛ ذلك أن الرئيس السيسي، مثله مثل أي نظام وصل إلى الحكم بشعبية جارفة مُستحقة، في حاجة مُلحة ودائمة إلى حركة فكرية تتمخض عنها أفكار مُبدعة، تستلهم من التجارب الدولية الناجحة خلاصتها، وتلتزم خصوصية الوطن وظروفه.

وغير ذلك، أتصور أنه خيانةً للمسؤولية الوطنية نرصدها بوضوح. نجافي بها حقيقة قديمة مفادها أن الحزب السياسي لا بد أن يستهدف نيل السلطة.

ـ تأتي الاستحقاقات الانتخابية دائماً في بلدنا لتكشف لنا عن عوار معيب يصيب مفهوم الأحزاب عندنا في مقتل؛ ذلك أن حالة الاستقطاب الشديد من جانب الأحزاب لمرشحين يمتلكون شعبية كبيرة في دوائرهم، دون أي اعتبار لما يملكه هذا المرشح من رؤى واتجاهات، وبلا أي بحث فيما إذا كان يعتنق بالفعل قيم وثوابت الحزب أم لا!

الأمر، إذن، ينحصر في قدرة المرشح على الفوز في دائرته الانتخابية، وهو غالباً صاحب قدرة مالية تُمكنه من "التبرع" للحزب بعدة ملايين تُطيل من استقرار قيادات الحزب على مقاعدها، دون ظهور مشكلات مالية. ومن ثم فلتسقط المشتركات والقواسم المشتركة بين أعضاء الحزب الواحد، كما جاء في الأدبيات السياسية، وكما تفهم الأحزاب الحقيقية الضالعة في حياة سياسية حقيقية.

لا أود الخوض أكثر من ذلك حتى لا يتسلل اليأس إلى القارئ من قُرب معايشة حياة حزبية حقيقية، فما زال للأمل بقية يمكن التمسك بها، واقتناص مساحتها الضيقة لتوسيع رقعة الأحزاب في الشارع. ففي الاستحقاقات الانتخابية المقبلة (نواب وشيوخ ومحليات) فرصة أظنها لن تُعوض لو أهدرتها الأحزاب؛ إذ يمكن أن تتخذ منها الأحزاب نافذة تطل منها على هموم الوطن والمواطن، وتنخرط في تفاصيل اختصاصاتها، وتعمل من الآن على إزاحة تراب الصراعات الداخلية، وصدأ الإهمال، عن كوادرها التي تربت في دهاليزها، وآمنت بأفكارها وقيمها، وتستحث أعضاءها كافة على الالتحام بالشارع، عسى الوطن أن يربح في المستقبل القريب كياناتٍ سياسيةً حقيقيةً؛ تنهض بدورها الطبيعي في إدارة شؤون الدولة إلى جانب القيادة السياسية؛ ومن ثم يكون التأييد منطقياً وذا قيمة، ومبنياً علي أسس جادة وموضوعية، فلطالما قرأنا أن قوة النظام من قوة معارضيه، لكنني أقول دائماً إن المعارضة مسؤولية المعارضين في المقام الأول.

وللحديث بقية بإذن الله.

إعلان

إعلان