لا بأس

د. جمال عبد الجواد

لا بأس

د. جمال عبد الجواد
09:01 م الخميس 09 يناير 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا بأس إن كنت لا تستطيع أن تعمل كل الأشياء التي تتمنى القيام بها. لا بأس إن كنت ترى في نفسك صفاتٍ تتمنى لو لم تكن موجودة. إياك أن تظن أن الآخرين أفضل حالا منك بكثير؛ هم فقط لم يكاشفوك بعيوبهم التي يجاهدون لإخفائها، ولم يحدثوك عن الساعات الطويلة التي يشعرون فيها بتأنيب الذات بعد كل مرة لم يتصرفوا فيها بالطريقة التي كانوا يتمنونها.

الإنسان الكامل لم يوجد بعد؛ والفرق بين النجاح والفشل هو ما إذا كان الفرد يعرف نفسه جيدًا، ويتعامل مع مشكلاتها بأقل قدر من الألم، وبطريقة لا تجعلها سببًا في تعطيله عن مواصلة الحياة. توفيق الحكيم هو واحد من أهم رواد الكتابة العربية في العصر الحديث. في كتابه: "سجن العمر"، يحكي الحكيم عن نفسه، فيقول إن "المؤكد عندي هو أني فعلا أنزعج وأنفر من أي اجتماعٍ عامٍ، وخاصة إذا تعرضت فيه إلى إلقاء كلمة أو طلب إليّ فيه الكلام. فقد شعرت بعد أول مرافعة لي في كرسي النيابة أمام محكمة الجنايات أنني لا أصلح لمثل هذه المواقف، فأنا لست سريع البديهة ولا حاضر الذهن، مما يجعلني أبحث سدى عن الكلمات والمعاني الهاربة من رأسي في اللحظة المفاجئة، ويستولي عليّ نوع من الفزع والارتباك؛ وحتى القراءة من ورقة أتلعثم فيها إذا سلطت عليّ عيون وأضواء وأحسست بمن حولي مستمعين ورقباء، ولا أعرف من أين جاءتني هذه الكارثة؟!".

لو كانت تنتابك مشاعر مشابهة، فلا بأس، فنجوم كبار مثل توفيق الحكيم هم أيضا عانوا من هذا الداء، لكنه لم يمنعهم من أن يكونوا عظماء، وأن يبرهنوا على نبوغهم بطرقٍ أخرى. المهم ألا يختار الواحد منا لنفسه مهنةً تفرض عليه أن يكون محل الأنظار، بينما يكاد يبلل بنطاله لو شعر أن الناس تراقبه، أو تلاحظ وجوده. كان أستاذنا الدكتور عليّ الدين هلال، متعه الله بالعافية، ينصحنا بذلك، ويقول ركز في الأشياء التي تستطيع أن تقوم بها بطريقة أفضل من غيرك، وابتعد عن نقاط ضعفك؛ وكان يضرب المثل بنفسه فيقول: إنه لا يمكنه أن يصبح بطلاً في الرماية، حتى لو أراد ذلك؛ لأن لديه منذ الصغر ضعفًا في الإبصار. لكن ضعف بصر عليّ الدين هلال لم يمنعه من أن يكون صاحب بصيرة ثاقبة، تعلمت منها أجيال كثيرة من الطلاب والباحثين.

كان توفيق الحكيم يزهد في إنشاء الصلات المفيدة، حتى مع أصدقائه الأقدمين الذين لمعوا في الحياة، وكان يشعر بالضيق والعجز عن مراعاة أبسط قواعد المجاملات من تهنئة وتعزية وسؤال عن الصحة، حتى بالنسبة إلى أعز الناس، كما كان ينزعج أيضا من سؤالهم عنه. يقول الحكيم: "إنني أجفل من أي صلة جديدة، لا أفتح باب نفسي بسهولة، هذا يتكرر كثيرًا ويضايقني... قدرتي على إضاعة الفرص أكبر من قدرتي على انتهازها". هل تذكر الفرص التي أضعتها، والمرات التي جلدت فيها ذاتك؛ لأنك لم تقدم نفسك لشخص تمنيت لو تصادقه؟ هل تذكر المرات التي أنبت فيها نفسك؛ لأنك لم تختر الكلمات المناسبة عندما جاءتك الفرصة للكلام في وجود الرجل المهم، أو في حضرة بدر البدور؟ لا بأس، فما زال لديك أصدقاء ومعارف تتواصل معهم بلا معاناة أو تلعثم، فتمسك بهؤلاء جيدًا؛ وتذكر دائمًا أن الأشياء التي لم تقم بها لم يكن مقدرًا لك أبدًا أن تفعلها.

إعلان

إعلان

  • خدمة الاشعارات

    تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي