أصحاب الهمم "6".. صاحب الألف اختراع

د طارق عباس

أصحاب الهمم "6".. صاحب الألف اختراع

د. طارق عباس
09:00 م الخميس 01 أغسطس 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كان واحدا من أعظم علماء العصر الحديث وأهم الشخصيات الرائدة في مجال العلم والعمل، عَرَف نفسه جيدا فأصبح معروفا للكافة، ووعى قيمة قدراته وإمكاناته فانتقل من مجرد شخص يعيش في الحياة لإنسان أدرك معنى وقيمة الحياة من خلال إسهاماته وابتكاراته واختراعاته وإبداعاته العلمية المسؤولة عن خلق عالم جديد أقام أعمدته على تلك الجهود العلمية الرائدة.

إنني أتحدث هنا عن عالم من طراز خاص، أصابه الصمم وهو على أول أعتاب الطفولة، ومع ذلك فقد أضاءت حياته الطريق لمخترعات باتت تشكل حجر الزاوية في حياة الناس. إنه توماس إدسون الأمريكي الجنسية والمولود بمدينة "ميلان في ولاية أوهايو الأمريكية وذلك في عام 1847.

كان الطفل السابع والأخير لأبويه وكان ضمن ثلاثة سلموا من آفة الموت في الصغر، تلك الآفة التي أصيبت بها أسرة توماس الذي كَبر وترعرع مع أخ وأختين.

كان أبوه ناشطا سياسيا معروفا بالصراحة والشجاعة وجرأة الرأي وكثيرا ما أعرب عن حنقه ونقمته على حكم بريطانيا لبلده كندا وتسلطها عليه، الأمر الذي جعله مطلوبا للاعتقال واضطره في نهاية المطاف إلى الهرب للولايات المتحدة والعيش هناك، أما أمه فكانت مدرسة متميزة، تعلق بها تعلقا شديدا خاصة أنها أثرت فيه وتأثر بها حتى صارت بالنسبة له كل مفردات الحب والأمل والرجاء والعطف والرحمة والشفقة والطموح والصبر، قال عنها: (لقد اكتشفت مبكرا أن الأم هي أطيب كائن على الإطلاق في هذه الدنيا كانت شديدة الإخلاص لي وواثقة كل الثقة بي كانت تعطيني بلا حدود ولولا اهتمامها بشؤوني وحرصها على رعايتها ودعمها لقدراتي لما أصبحت مخترعا أبدا). وقال أيضا: (أمي هي التي صنعتني فقد كانت تشعرني دوما بأنني أهم شخص في حياتها حتى أصبح وجودي لها ضروريا من أجلها، وقد عاهدت نفسي على ألا أخذلها لأنها لم تخذلني قط).

كانت أولى المصائب التي امتُحِنَ بها إدسون هي تعرضه لمرض الحمى القرمزية وهو في سن السادسة وقد تسبب المرض في إصابة إدسون بالصمم الجزئي الذي لم ينظر إليه بوصفه عاهة تعيقه عن أداء مهامه الحياتية والعلمية وإنما اعتبرها نعمة عظيمة حالت بينه وبين أي أصوات قد تشوش أفكاره، والحقيقة أن صممه هذا ربما كان أول نقطة انطلاق لكي يسمعه ويراه العالم.

لم يَكُن إدسون يمارس ما يمارسه الأطفال في سنه، لم يكن مهتما مثلهم باللعب والجري واللهو قدر اهتمامه بالتأمل والتدبر وطرح الأسئلة ومشاهدة الصور، كان لا يترك شاردة ولا واردة إلا ويحاول أن يستفسر عنها ويفهمها، كان يبحث في كل شيء وأي شيء، إلى الحد الذي نفر منه أستاذه في المدرسة واعتبره بليدا وفاسدا وغير قادر على الاستمرار في المدرسة التي لم يمكث فيها أكثر من ثلاثة أشهر، وقد كتب هذا الأستاذ برسالة إلى الأم فيها نفس هذا الفحوى الأمر الذي أصابها بالانزعاج الشديد ودفعها دفعا للذهاب من أجل مقابلة هذا المدرس وعندما تأكدت من إصراره على طرد الطفل من المدرسة قالت له بالحرف الواحد: (أعلم أنك لا تريد ابني في هذا المكان لا لضعفه بل لأنه أذكى وأنبه منك) ثم عادت الأم بإدسون للمنزل مقررة مساعدته على التعلم والتثقيف من خلال البيت وقد بدأت خطوتها تلك بحث إدسون على القراءة في تاريخ اليونان والرومان وفي التاريخ الإنجليزي والأمريكي والكتاب المقدس وأدب العظماء وقصص حياتهم، في الوقت نفسه حفز الأب هو الآخر الابن على القراءة بإعطائه مبلغا ماليا معلوما كلما انتهى من درس وقراءة كتاب.

هكذا تغذى وجدان الطفل على العلم والمعرفة واستوحى التجربة في فهم العالم من حوله، لذلك لم يتردد في إنشاء أول مختبر له بمنزل الأسرة وزوده بالوسائل الضرورية لإتمام تلك التجارب مثل: "البطاريات وأنابيب الاختبار والقوارير ومواد كيميائية أخرى".

أجرى إدسون أول تجاربه على فأر يُدعى ميكل وكانت بخصوص اكتشاف طريقة للطيران فكثيرا ما كان يسأل نفسه: "كيف يطير الطير وأنا لا أطير؟ لا بد أن هناك طريقة لذلك "لهذا أتى إدسون بميكل وأشربه نوعا من الغازات يجعله أخف من الهواء، وبمجرد أن امتلأ جوف الفأر بتلك الغازات تألم ألما شديدا وصرخ بصوت عال سمعه الأب، الذي انطلق منزعجا مما سمع، وعنف إدسون على ما قام به داعيا إياه للتأني والحذر حتى لا يتسبب في إيذاء كائن ما كان حتى لو كان فأرا، لكن الطفل المولع بالتجريب أبى إلا أن يستمر، ويواصل رحلته البحثية مع صديق له حول خلق نظام خاص بالتلغراف، وبعد عدة محاولات استطاعا إرسال واستقبال الإشارات والرسائل عن طريق جهاز ابتكراه خصيصا لأداء تلك المهمة. كان إدسون واعيا بأن تجاربه في حاجة للمزيد من الإمكانيات المادية، لذلك عمل أول الأمر في مزرعة والده وكان يبيع محصولها بشكل دوري، لكن ما تقاضاه لم يكن كافيا للوفاء بتطلعاته، فما كان منه إلا أن استأذن والديه بالعمل في السكك الحديدية بائعًا للجرائد لركاب القطارات وقد راجت تجارته تلك بسبب الحرب الأهلية الأمريكية التي اندلعت في عام 1861، وقد استطاع إدسون في تلك الحقبة الحصول على الحق الحصري في توزيع تلك الجرائد بل وطباعة جريدة أنشأها هو من خلاصة الأخبار المنشورة وأطلق عليها " ذي ويكلي جرالد".

كانت تلك البداية بمثابة انطلاقة للرجل نحو سلسلة من المشروعات الرائدة التي برهنت على ما تمتع به من عبقرية تجارية تضاهي في أهميتها وقيمتها عبقريته العلمية والمعرفية تلك العبقرية التي جعلته يضع الأسس لأهم المخترعات بالنسبة لبني البشر والتي بلغت في مجملها 1093 اختراعا.

وللحديث بقية في الأسبوع القادم.

إعلان

إعلان