مقال "الرميحي" عن "البترودكتوراه" الذي أنقذني من الرفت

د. عمار علي حسن

مقال "الرميحي" عن "البترودكتوراه" الذي أنقذني من الرفت

د. عمار علي حسن
09:00 م الأربعاء 31 يوليه 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كنت في السنة الرابعة في قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، ودفعني حماسي المعتاد، أو تسرع الشباب، وغيرتي على مكانة الجامعات المصرية إلى أن أتحدث في مؤتمر علمي نظمه مركز البحوث والدراسات السياسية بالكلية بالتعاون مع الجمعية العربية للعلوم السياسية في مطلع فبراير 1989 حول "تطوير مناهج البحث السياسي" عن ظاهرة "البترودكتوراه" و"البتروماجستير"، حيث يأتي بعض الطلبة الخليجيين إلى جامعاتنا، فيجدون من يذلل لهم السبل، ويفتح أمامهم باب الحصول على الشهادات العلمية العليا على مصراعيه، دون الاعتناء بأن ترتفع قاماتهم المعرفية إلى قدر درجاتهم الجامعية. وحرصت يومها على ألا أعمم هذا على كل هؤلاء الطلاب، فمن بينهم المجتهدون والمجيدون الراغبون في تحصيل المعرفة والمحبون للعلم فعلًا.

وما إن انتهيت من مداخلتي التي اتسمت بعفوية صبي غرير، لا تعنيه العواقب ولا تخيفه ردود الأفعال، حتى ملأ الغضب وجوه معيدين ومدرسين وأساتذة. وبعد ساعتين فقط كانت رئيسة القسم قد أعدت مذكرة بشأن الواقعة، تطالب فيها عميد الكلية الأستاذ الدكتور أحمد الغندور، بتحويلي إلى التحقيق، وتوقيع عقوبة شديدة، تعلمني حدود الأدب، بعد أن اتهمتني بالسب والقذف.

وأحال العميد المذكرة إلى المحقق فاستدعاني، ومثلت أمامه مجردًا من المستندات التي تثبت ما قلت، رغم دقته التي كانت لا تخفى على أحد. لكن كانت معي صورة من مقال نشره المفكر الكويتي د. محمد الرميحي في مجلة "العربي" واسعة الانتشار، عن ظاهرة "البترودكتوراه" و"البتروماجستير"، أعطاه لي أحد المدرسين المساعدين بالكلية وقتها، وهو الدكتور أحمد ثابت، رحمه الله، بعد أن أوصاني بأن أقول للمحقق:

ـ وشهد شاهد من أهلها.

في التحقيق أشرت إلى المقال، وأخذت اقتباسات منه، وقلت بكل ثقة:

ـ أهل مكة أدرى بشعابها، وإذا كان من أهل الخليج من يرفض هذه الظاهرة، فالأولى أن نرفضها نحن قبلهم.

وتعاطف المحقق معي تعاطفًا شديدًا، وشملني بنصائحه القانونية التي كانت خافية علي، مع أنني حرصت قبل الذهاب إليه على أن أقرأ باب السب والقذف في كتاب قانون جامعي استعرته من زميل حقوقي كان يسكن جواري في المدينة الجامعية. ودار التحقيق فامتلأت سطوره بكلمات دفاعي عن نفسي، ثم طوى المحقق الورق، ورفعه إلى العميد.

وظننت أيامها أن مستقبلي قد ضاع، خاصة بعد أن حاول بعض الأساتذة الكبار أن يستخدموا موقفي في تصفية حسابات عالقة بينهم. ومكثت بغرفتي شهرًا لا أذهب إلى الجامعة، أقرأ الكتب والروايات، وليس لدى أي يقين بأنني سأتمكن من دخول امتحان نهاية العام، الذي كان قد اقترب. وقام رئيس اتحاد طلبة الكلية والأستاذ الدكتور أحمد يوسف أحمد، وهو كان أقرب الأساتذة إلينا، بالتوسط لدى رئيسة القسم ووكيل الكلية، لكنهما كانا مصممين على أن أنال عقابًا رادعًا.

وهنا جاء دور العميد، الذي بنى موقفه الإيجابي تجاهي على حسن نيتي واقتراب موعد تخرجي، فعرفت أنه قد أقنع الشكاة بأن يتسامحوا، حتى لا يضيع مستقبل شاب شارف على أن ينال شهادته الجامعية.

وعقب تخرجي بسنتين انفجر الموضوع بعد أن تجمعت أدلة على مخالفات جسمية، نشرت الصحف أخبارها في الصفحات الأولى، وكان الغندور حاسمًا في مواجهتها.

ورغم أن الغندور كان، رحمه الله، رجلًا منعم العيش فقد شعر دومًا بأحوالنا الرقيقة، ولم يبخل بمساعدتنا بكل ما في وسعه من صلاحيات وإمكانيات، فكان حريصًا على أن يحصل غير القادرين منا على دعم كل الكتب المقررة. ولما وجد فائضًا لديه في الميزانية أمر بدفع رسوم المدينة الجامعية لنا طيلة العام. وكنا نتسلم من رعاية شباب الكلية كل سنة إعانتين، إحداهما قيمتها خمسة وثلاثون جنيهًا، لشراء ملابس من شركة "صيدناوي" والثانية بقيمة أربعة عشر جنيهًا لشراء حذاء من "باتا"، خلافا لمكافآت التفوق، وأخرى تظهر بين حين وآخر كإعانات للفقراء.

حقا، كان عميد كليتي وقتها كان رجلًا متزنًا عاقلًا، وعالم اقتصاد جليلًا، فرد من أرادوا بي سوءًا على أعقابهم، وحماني من أن يستفردوا بي وأنا الطالب الأعزل، الذي ليس في يده سلاح سوى الكلمات التي تفيض في جموح، والأحلام العريضة.

أقول الآن وأنا غارق في هذه الذكرى المؤلمة إن العظماء من أمثال الدكتور الغندور ينقرضون باستمرار، مع تردي أحوالنا العامة، وتراجع قيمة جامعاتنا وقاماتها، وتحكم أجهزة الأمن في تعيين القائمين عليها من المعيد إلى العميد، ليأتي زمن نقرأ فيه عن اعتداء عميد إحدى الكليات على طالب بسيط لم يفعل سوى الاعتراض على ارتفاع سعر الكتاب الجامعي، الذي تحول في الغالب الأعم إلى سلعة رديئة الجودة غالية الثمن، فتراكم في جيوب الأساتذة الأموال، وفي عقول الطلبة الضحالة المزمنة.

وأقول هذا وأنا حزين أيضا؛ لأن صرخة الدكتور محمد الرميحي قبل ثلاثين عاما تقريبا عن بيع الرسائل الجامعية، لا تزال تدور في البرية، فالبيع على أشده، وزاد الطين بلة، أن من يعدون الأطروحات المنتحلة أو المسروقة ساعدهم الإنترنت على السرقة بلا حساب ولا تحسب. ولذا لا نتعجب من تردي وضع جامعاتنا في الترتيب العالمي، مع تغلب الجهلاء على العلماء، والأغبياء على الأذكياء، والأدعياء على الأولياء.

إعلان

إعلان