• تأملات سلوكية

    ريهام فؤاد الحداد

    تأملات سلوكية

    ريهام فؤاد الحداد
    09:00 م الأربعاء 26 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    تكثر في أيامنا هذه مشاكل مجتمعية مثل (نوبات من العنف والمشاحنات، وخصومات وعداءات وطلاق وتنمر وشائعات وإيذاء).

    لكن... ما الذي يجعل الإنسان يتصرف على هذا النحو؟!

    وهل هي صفات يولد بها الإنسان أم يكتسبها؟

    وكيف تتبدل شخصيات البشر بمراحل العمر المختلفة؟

    وما ضوابط الخروج من هذه الإشكالية؟

    تتشكل شخصية الإنسان متأثرة بظروف كثيرة، أول هذه التأثيرات (المنحة والبركة الإلهية) التي نتحراها بتحري الحلال وتقوى الله. هذه البركة سر إلهي يعطيه الله من يشاء من عباده .

    ثم يأتي دور الوالدين أو الأسرة الصغيرة، وهنا نوعان من التأثير:

    النوع الأول هو التأثير بالتعليم والتلقين، والنوع الثاني هو تقديم القدوة والمثل (وهو التأثير الأبلغ والأعمق)، لأن الطفل يبدأ التعلم بالتقليد واكتساب المهارات والصفات من المحيطين به، فإن كنت مثلا نماما مغتابا للآخرين، وأمرت ابنك بعدم النميمة، فلن يصدقك، بل سيقلد سلوكك بالنميمة.

    يكبر الطفل، وقد اكتسب من بيئته الصغيرة صفات وخبرات، ثم تأتي مرحلة الدراسة والتعامل الأول مع البشر خارج نطاق المنزل، فيبدأ باكتشاف واختبار طباع جديدة، يؤثر ويتأثر بدرجات متفاوتة، بحسب أي الأثرين أقوى وأرسخ (ما لديه وما جاء به من بيته، أو ما رآه خارجا)!

    فربما تطابقت المعطيات الجديدة مع القديمة وربما اختلفت. ويبدأ في المقارنات والموازنات ليتخير لنفسه سلوكًا يناسبه أو يغلب على روحه مع استمرار تعرضه للتأثيرات السلوكية يوميًا (سواء كانت سلبية أو إيجابية) لهذا تتبدل الشخصية تبعا للظرف الراهن وما يمر بها من أحداث متجددة.

    يصل، الآن، إلى مرحلة الشباب وقد مر بمصادر معلومات عديدة، مثل (المناهج الدراسية، منزل الأهل، البيئة المدرسية، الشارع والعالم الخارجي، العالم الافتراضي ومؤشر البحث الإلكتروني، وربما القراءات المتنوعة- إن كان مطلعا)، حينها يكون بعمر الحماس والاندفاع والطاقة، وهي مرحلة القوة والتوهج والتخطيط للمستقبل، أو هي مرحلة التعثر والإحباط والضياع (كونها مرحلة ناتجة عما تم بالطفولة) وبحسب هل أُنشئَ هذا الطفل بشكل سليم أم العكس! بكل الأحوال أسميها مرحلة كرة اللهب، فإما كان لهبا مضيئا نافعا أو لهبا شريرًا عابثا حارقا! كل بحسب الغرس.

    ثم تأتي مرحلة العمل والارتباط وتكوين الأسر الجديدة، ويحمل الشاب معه حقيبة الموروثات والمكتسبات السابقة على ظهره يتعامل بها مع العالم، ويكتسب المزيد من التجارب ويجتاز اختبارات جديدة، وفي هذه المرحلة يقل النشاط وتلجم الأحلام وتنشط الحكمة وموازنة الأمور بتأثير المسئوليات والنضج نسبيا. وبعضهم يظل ضائعا لا حكمة ولا موازنة ولا مسئولية! أيضا بحسب الغرس وكيف تكونت هذه الشخصية.

    بعد ذلك؛ مرحلة التقاعد، وهنا تكون كل الموازنات والمسئوليات قد انتهت وتبقى الحكمة وترك الأثر والبصمة واستيعاب كل المراحل السابقة بدقة وبتحليل كل ما حدث في الفترات المنصرمة واستخلاص العبر والدروس.

    من المتقاعدين من يفيد الآخرين ساعيا لترك أثرا طيبا متعقلا، ومنهم من أضاع كل ما سبق وأصبح كهلا بروح ضائعة تفرغ غضبا وتنفث نارًا وعصبية !

    يمر الإنسان بكل المراحل السابقة وفي كل مرحلة يظهر أثر سلوكه ونشأته وما مر به في الحياة على طريقة تعامله مع الآخرين.

    لفهمك مراحل تكون الشخصيات وظروف اختلافها فائدة كبيرة في الغفران وعذرك للآخر الذي ربما اختلت معايير تنشئته أو اضطربت هويته النفسية. فمن يفهم يعذر، ومن رزق الحكمة رزق الصبر على هفوات وأخطاء الناس، لهذا أمرنا الله بالكف عن اللغو والصراع والمشاحنة.

    لكن لا نستطيع أن نعول على الصبر وحده في حل الأمور وإلا استمرأ المخطئ التجاوز واستمر بالخطأ، وليس الحل كذلك في تفهم ظروف اضطراب من أمامك فقط!

    فبعد تفهم الآخر واستنفاد الصبر وجب استخدام القانون، وقانون المعاملات البشرية هو الأخلاق، والأخلاق هنا تقول إن حريتك تقف عند حرية الآخرين، ولا ضرر ولا ضرار، ولا تتعدَّ على أحد، ولا تسمح لأي من كان بالتعدي عليك، ومن يتجاوز حدود الأخلاق، فقد وجب عليه العقاب والمحاسبة. إن كنت شخصا غضوبا متعجرفا، فالزم حدودك مع الآخرين، فالناس لا ذنب لها بسوء طباعك.

    غضبك بحدود. ونقاشك بتأدب. وهدوؤك واجب. والتزامك الأخلاق في الخلاف أمر حتمي التنفيذ.

    بهذا القانون الأخلاقي الإلزامي تحل مشاكل كثيرة، وما يصعب حله كان الخروج منه بسلام ممكنًا جدا.

    إعلان

    إعلان

    إعلان