التحول الرقمي والجاهزية التكنولوجية

د. غادة موسى

التحول الرقمي والجاهزية التكنولوجية

د. غادة موسى
09:01 م الثلاثاء 21 مايو 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يصعبُ على غير المتخصص في التطور التكنولوجي الحديثِ أن يحدد بدقة الفجواتِ والثغرات التقنية التي تحول دون حدوث تحول رقمي سريع ومستدام في مصر!

كما أنه على الجانب الآخر، وبسبب كثرة الحديث عن التحول الرقمي والبنية التحتية التكنولوجية، تولّد لدى عدد من الباحثين الفضولُ العلميُّ لسبر أغوار هذا المجال، حتى وإن لم يقع في بؤرة التخصص الدقيق لهم، وذلك ينطبق بدرجة كبيرة على باحثي العلوم السياسية.

إن القول بضرورة حدوث تحول رقمي يستدعي إثارة تساؤلات حول المسئولية والأهداف والسياسات والملكية والآليات والأدوات والخطط الزمنية والمساءلة.

وفي الواقع، فإن البيانات والمعلومات "الرسمية" المتوافرة حول هذه العناصر تكاد تكون غير معروفة لنا. فنحن نقرأ عن استراتيجية وطنية للتحول الرقمي- وهو أمر جيد من حيث التوجه الفكري، ويعكس وجود إرادة سياسية لمواكبة التقنيات الحديثة- ولكننا لا نعلم من هي السلطة المسئولة، وأين وصلت هذه الاستراتيجية من حيث التطبيق.

ويصير هذا التساؤل ملحًا؛ في ظل وجود اختلاف في وجهات النظر بين بعض الوزراء حول ملكية السياسات ومسئولية التطبيق.

وفي الواقع، فإن المتابع لهذه الخلافات- بالإضافة إلى تعثر أداء بعض المعاملات الحكومية وغير الحكومية الإلكترونية- لا بد أن يتساءل عن مدى الاتساق بين الحديث عن تحول رقمي وخدمات إلكترونية وبين المعايشة على أرض الواقع. ومن ثم حول مدى جاهزيتنا لهذا التحول ومدته ومتطلباته.

ويُقصد بالجاهزية الإلكترونية مستوى نضج المواطنين والأعمال والحكومة والمنظمات غير الحكومية للمشاركة في التحول التقني، مثل التجارة الإلكترونية والحكومة الإلكترونية. أيضًا مدى جاهزية الدولة لاستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاهة الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين والجمهور.

بعبارة أخرى، أن تستهدف سياسات التحول الرقمي تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وليس فقط مواكبة التحولات التكنولوجية في ذاتها.

كما يتطلب الأمر تعريف وتوعية المواطنين والجمهور بهذه الاستراتيجية وفوائدها ليتم مساندتها والمشاركة في تفعيلها على أرض الواقع.

لذلك يُعد من أهم عوامل التعرف على الاستعداد التكنولوجي من أجل تحقيق التحول الرقمي هو وجود بنية تحتية تكنولوجية، وهذه أهم بل أولى مهام وزارة الاتصالات في أن تعمل على وجود هذه البنية، أي أن توفر هذا المطلب بأعلى جودة ممكنة.

بالإضافة إلى توفير التدريب للمعنيين بهذا الأمر، سواء لمن سيقومون بالتشغيل أو التوعية على حد سواء. كما يتطلب تحقيق الاستعداد التكنولوجي توافر الموارد المالية؛ فليس مفهومًا الجدل الذي ثار بين وزيري التربية والتعليم والمالية حول المخصصات المالية لتطبيق منظومة "التابلت"، سواء اتفقنا مع سياسة وزير التربية والتعليم أو اختلفنا؛ لأن المؤكد أن الحكومة ومجلس النواب اعتمدا سياسات تطوير التعليم وفق رؤية وتوجه وزارة التربية والتعليم، وهو ما يتطلب وجود اعتمادات مالية محددة ومتفق عليها.

كما أنه ليس مفهومًا بالمثل ذلك الجدل الذي ثار بين وزير التربية والتعليم أيضًا ووزير الاتصالات؛ إذ يثير هذا الجدل تساؤلًا رئيسيًا حول ملكية خطة التحول التكنولوجي في التعليم، التي- مما لا شك فيه- تقع مع وزير التربية والتعليم دون غيره؛ بحيث يقوم وزير الاتصالات بتوفير البنية التحتية اللازمة لتنفيذ سياسات وزارة التربية والتعليم.

علمًا بأن ملكية سياسات التحول التكنولوجي بشكل عام يجب أن تكون مع رئاسة الوزراء أو لجنة عليا، وهو المطلب الرابع لتحقق الاستعداد التكنولوجي، أي ملكية السياسات.

ثم يوجد مطلب خامس وهو البعد الثقافي؛ فلم يعرف العالم تحولًا في أي من مجالات الحياة دون ثقافة دافعة يدعمها تحول في المجتمع وسلوكه لدعم الثقافة الجديدة.

ومن بين عناصر الثقافة المرتبطة بالتحول التكنولوجي استخدام الإنترنت من قبل الأفراد والأسر، بالإضافة لوجود حاسب آلي في المنزل، واستخدام الخدمات البنكية الإلكترونية وماكينات الصراف الآلي ATM، وامتلاك هاتف ذكي.

بعبارة أخرى، توافر البيئة الثقافية السلوكية الداعمة للتحول. ومما لا شك فيه هي أفضل من ذي قبل بفعل التحولات الديموغرافية في مصر وارتباط الخدمات التجارية الإلكترونية ببعضها.

وعليه، يعتبر من متطلبات التحول التكنولوجي قياس توافر العناصر السابقة أو تقييم الموقف من التحول المنشود؛ لأن التكنولوجيا بدون العوامل الاجتماعية- الثقافية لا جدوى منها، مثلما يصعُب تطبيق تحول رقمي بدون وجود تكنولوجيا. وهذا القياس لا بد له من إطار للتقييم يقيس أيضا مؤشرات الاقتصاد الكلي والقابلية للاستثمار في هذا التحول وتكلفة المعيشة والأسعار. ويعد العنصر الأخير غاية في الأهمية؛ إذ لا يعتمد نجاح هذا التحول على تيسير الحصول على الخدمات بشكل سريع فقط، ولكن أيضاً بتكلفة أقل.

فهذا التحول مرهون نجاحه بقدرته على تيسير حياة المواطنين والجماهير، ومن ثم رفع معدلات الثقة وزيادة مشاركتهم في الاقتصاد القومي.

وفي هذا السياق، لا بد من الانتباه إلى أن العوامل المرتبطة بالاقتصاد القومي لا تتضمن فقط معدلات النمو الاقتصادي ونسبة التجارة فيه، بل القوانين والإجراءات المنظمة، وعلى رأسها قوانين حماية الملكية الفكرية وقوانين البنوك، ثم الاستقرار السياسي وكفاءة عمل الحكومة وقدرتها على السيطرة على الفساد عبر التحول التكنولوجي الرقمي.

وبالنظر إلى وضع مصر في مؤشر الأمم المتحدة للاستعداد التكنولوجي للعام ٢٠١٨، فقد بلغت .،٤٨ من (١) .

وجاءت في المرتبة ١١٤ من إجمالي ١٩٣ دولة. علمًا بتقدم غانا عن مصر، حيث جاءت في المرتبة ١٠١ بدرجة .،٥٣، كما جاءت تونس في المرتبة ٨٠ ثم سلطنة عمان في المركز ٦٣ والمملكة العربية السعودية في المركز ٥٢.

لذلك أدعو القائمين على استراتيجية وخطة التحول الرقمي إلى دراسة العناصر السابقة التي تشكل إطارا لتقييم الاستعداد لهذا التحول، وبحث كيفية التعامل مع مؤشرات مصر المنخفضة.

ولا أعتقد أن المضي قدمًا في وضع استراتيجية للتحول التكنولوجي الرقمي على مستوى الدولة والمجتمع المصري سيُسفر عن نتائج مرجوة دون تنسيق جيد بين سياسات أفراد الحكومة، من حيث الهدف والملكية والتمويل والأدوات والتقييم.

إعلان

إعلان