• إصلاح التعليم العالي وتطوير إمكانات الأستاذ الجامعي - الجزء الثامن

    د. غادة موسى

    إصلاح التعليم العالي وتطوير إمكانات الأستاذ الجامعي - الجزء الثامن

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 30 مارس 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    قد يتبادر إلى الذهن- والحديث في هذا الجزء عن الأستاذ الجامعي- أن المقصود هو زيادة راتب الأستاذ الجامعي. وهذا إن لم يكن هو الهدف من هذا الجزء، فلا يقلل من ضرورة تحسين الإمكانات المادية للأستاذ الجامعي. ولكن المقصود بتحسين إمكانات الأستاذ الجامعي هو النهوض بقدراته الفكرية والعلمية والبحثية التي تمكنه من أداء مهامه على الوجه الأكمل، ومن ثم أيضاً رفع مستوى الطالب الجامعي.

    فكثيراً ما نسمع العديد من الطلاب يطلقون عددا من العبارات من قبيل "مش بنتعلم حاجه" أو "الأستاذ أو الدكتور يقرأ من كتاب" أو "الأستاذ أو الدكتور غير متمكن من المادة".

    كما أن الأستاذ نفسه قد يعوقه كثرة عدد الطلاب عن توصيل العلوم لهم، أو الاستفاضة في شرحها بسبب الازدحام والضوضاء وضيق الوقت، فيكون الحل هو ترك مهمة الشرح للمعيد أو من دونه إلماماً بالمادة العلمية.

    ولإدراك خطورة الأمر نجد أنفسنا أمام شبه مثلث متهاوِي الأضلاع، قاعدته الطلاب، وقمته الأستاذ وأضلاعه الوسطاء من المعيدين أو معاوني أستاذ المادة. وجميعهم قد نالهم من الضعف ما يجعل المثلث يتهاوى، ويجعل من منظومة التعليم الجامعي منظومة خاوية المضمون.

    وهنا أتحدث عن التعليم الجامعي الحكومي في المقام الأول، ثم يليه التعليم الجامعي الخاص الذي قد يفتقر بدوره لبعض العناصر الهيكلية المتعلقة بمفاصل بنية التعليم العالي وغاياته التي ناقشناها في الأجزاء الأولى من موضوع "إصلاح التعليم العالي"، والتي لا ترتبط بالضرورة بمتطلبات السوق، بقدر ما ترتبط ببناء عقل وفكر ووجدان الطالب الجامعي.

    ونحن في إطار الحديث عن الأستاذ الجامعي لنا أن نتساءل عن مواصفات الأستاذ الجامعي بشكل عام، ومواصفات الأستاذ الجامعي في عصر الثورة الصناعية الرابعة بشكل خاص.

    ويدفعنا هذا التساؤل إلى التعرف على البرامج التي بموجبها يتم تأهيل الأستاذ الجامعي ليتحمل مسؤولية نقل العلوم والمعارف للطلاب في تلك المرحلة التعليمية المهمة. حيث تسعى مراكز تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية تحديداً إلى تنمية مهاراتهم الأكاديمية والإدارية، بالإضافة إلى تنمية مهارات التفكير العلمي والمنطقي والإبداعي والتوفيقية والابتكاري، بالإضافة إلى تطوير قدرات أعضاء هيئة التدريس في جدارات التدريس والبحث العلمي وأخلاقيات المهنة، ثم جدارات القيادة واكتساب المهارات الشخصية المساعدة على تحقيق ما سبق.

    وبالإشارة إلى بعض البرامج التدريبية نتناول على سبيل المثال، وليس الحصر برنامج جدارات التدريس، حيث يتم التدريب على التدريس ونظم التعليم كاستخدام التكنولوجيا في التدريس، من خلال تعلم العرض باستخدام العروض العلمية التكنولوجية power point والبحث عبر الشبكة الدولية للإنترنيت، والاستعانة بالوسائط التكنولوجية لعرض الأفلام التعليمية المساعدة. هذا من جهة.

    من جهة أخرى في برنامج البحث العلمي يتم التعريف بقواعد وأماكن النشر الدولي وأخلاقيات البحث العلمي وكيفية إدارة فريق البحث العلمي. بالإضافة لبرامج تتعلق بالقيادة والإدارة والسلوك والتواصل مع المجموعات.

    وسأتوقف عند برنامجين أعدهما من أساسيات مهارات الأستاذ الجامعي، وهما استخدام التكنولوجيا في عمليات التدريس كمعيار من معايير جودة العملية التعليمية ومواكبة عصر تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات.

    ولكننا نتحدث الآن عن التعليم الرقمي وتجسير الفجوة الرقمية أو التمييز الرقمي، من خلال بناء قدرات أعضاء هيئة التدريس وتوعيتهم ليس فقط بأهمية التعلم الرقمي لهم، ولكن خطورة وجود فجوات رقمية بين الطلاب، بمعنى أن يكون عندك قدرة بعض الجامعات والكليات للوصول لشبكة الإنترنيت ومن ثم استخدامها في الاطلاع أو في إنجاز الأبحاث العلمية. لأنه مع الألفية الثالثة لم يعد هناك من ليس لديه المعرفة الدنيا باستخدام الإنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائط المالتيميديا.

    بالإضافة إلى كيفية استخدام المكتبات الرقمية وتصنيف البيانات والمعلومات الرقمية وتقويم جودتها. وأتذكر في هذا الصدد قيام أحد أساتذة العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- في توقيت سابق عن المعتاد وقبل دخول الألفية الثالثة- بإعداد كتاب عن قواعد استخدام شبكة المعلومات الدولية " الإنترنيت" وكيفية تصنيف واختبار صحة البيانات على الشبكة. وهو موضوع لا يرتبط فقط بأخلاقيات البحث العلمي، وإنما أيضاً بالارتقاء بقدرات الأستاذ في البحث الجيد والسريع عن البيانات والمعلومات.

    كما استرعى انتباهي في برنامج أخلاقيات البحث العلمي تسمية البرنامج بأخلاقيات البحث العلمي، وليس بالبحث العلمي. فالتعرف على ماهية العلم وكيفية استكشافه وقراءته ونقده تحمل في طياتها مدونة سلوك أخلاقيات البحث العلمي. فتدريس منهجية البحث العلمي وطرقه تنقذ البحث العلمي الذي قارب على الاندثار.

    بل أمضي لأبعد من ذلك إلى أهمية تعريف أساتذة الجامعات بتاريخ العلم ذاته ونشأته. ولماذا يجب أن نفهم العلم.

    كما يتم رفع وعي ومهارات وسلوك ومهارات قدرات الأستاذ الجامعي بتدريس الفلسفة والمنطق؛ إذ كيف يمكن تدريس البحث العلمي دون إلمام بالفلسفة والمنطق؟!

    وكما سبقت الإشارة فان علوم الفلسفة والمنطق لا ترتبط - كما سبقت الإشارة- بكليات بعينها أو خلفيات بعينها.

    وأضيف إلى ما سبق أهمية وجود دورات لأستاذ الجامعة لتعلم لغتين أجنبيتين وصقلهما. فكيف يمكن التواصل مع الآخر سواء كان أكاديميا أو كاتبا أو باحثا في الخارج بدون إتقان اللغات الأجنبية؟!

    كما أدعو القائمين على التعليم الجامعي إلى التفكير أيضاً في آليات التدريب والتعلم باستخدام التعليم الرقمي. فالحضور المادي ضروري، ولكن مع وجود أساتذة في جامعات محلية وإقليمية يصبح التعلم والتدريب عن بعد سواء بحضور الدورات التدريبية من خلال تطبيق الـvideo conference أو بالدخول على منصات التعلم الإلكتروني... إلخ.

    كما تمكن الخاصية السابقة من عقد اللقاءات العلمية مع أساذة في دول أخرى وتبادل الآراء حول تطور البحث العلمي وآلياته وقضاياه.

    كما لا يتصور بناء قدرات الأستاذ الجامعي في التفكير العلمي الموضوعي والابتكاري وهو/ هي لا تؤمن بحرية الرأي والتعبير والنقد.

    فالقدرات السابقة تقتضي ذهنيات تؤمن بحرية البحث العلمي، وأهمية العلم ذاته بغض النظر عن التخصصات الضيقة.

    فتطوير برامج الارتقاء بقدرات الأستاذ الجامعي تتطلب الانتقال من إدراك أن الأستاذ الجامعي مدرب ومدير إلى أن الأستاذ الجامعي مفكر ومعلم ووسيط بين الطالب والعلوم، وليس حلقة وصل بين الطالب والسوق.

    إعلان

    إعلان

    إعلان