• التميز الحكومي وجائزة "المتميزون"

    د. غادة موسى

    التميز الحكومي وجائزة "المتميزون"

    د. غادة موسى
    09:00 م السبت 02 نوفمبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    ستظل الحكومة كيانًا سياسيًا وفق التعريف العلمي؛ فهي التي تضع السياسات، وتحدد التوجهات التي يعمل الجهاز الإداري على أساسها ووفقا لها.

    وهذه وظيفة الحكومات في كل دول العالم؛ فالحكومة كيان سياسي يتغير، ويظل الجهاز الإداري يُسيّر أمور ومرافق الدولة ويستجيب لمطالب الجماهير.

    وبسبب هذا الدور المهم المستدام الذي يضطلع به الجهاز الإداري، خصصت الأمم المتحدة يومًا من كل عام للاحتفال به وبإنجازاته، وهو يوم ٢٣ يونيو من كل عام.

    وتخبرنا التقاليد العالمية أن الجوائز التي تخصص في مثل هذا اليوم تمنح للأعمال والأفكار القابلة للتطبيق، والتي تم تطبيقها بالفعل، وتحتوي على عنصر الابتكار، وتفي بمعايير الجودة، بما يساعد على تسيير حياة الناس وتحسين الخدمات المقدمة لهم، ومن ثم إسعادهم.

    وقد كانت مصر، ومنذ عام ٢٠٠٨، سباقة في وضع منظومة للتميز الحكومي من خلال جائزة "المتميزون".

    وأتيحت لي الفرصة، آنذاك، للتعرف على خطة عمل تقديم هذه الجائزة ودورة عملها. حيث كان يتم توجيه دعوات من قبل وزارة الدولة للتنمية الإدارية لكافة الجهات الحكومية (الجهاز الإداري)، بما في ذلك الشركات العامة لترشح من قبلها أفضل مدير وأفضل منفذ حكومي لتقديم الخدمات وأفضل موقع إلكتروني وأفضل بحث للارتقاء بأداء الجهة.

    كما كانت تُجرى اختبارات عديدة على أكثر من ثلاث مراحل لضمان انتقاء أفضل العناصر. وفي هذا الصدد كانت الوزارة تستعين- وفق مناقصة حكومية- بشركات متخصصة في إدارة مثل هذه الجوائز، وذلك بالشراكة مع الوزارة التي تمثل الحكومة. وتنوعت الاختبارات بين اختبارات تحريرية وأخرى شفهية. وكانت مصر قد احتفلت بجائزة المتميزون لمدة عامين على التوالي، وكانت الجائزة مصرية خالصة، حيث كانت إدارتها وتمويلها من قبل الدولة بنسبة ١٠٠٪.

    وكان الطموح أن يتم تنظيم تلك الجائزة على مستوى القارة الأفريقية في يوم الخدمة المدنية ٢٣ يونيو، ولكن اندلعت ثورة ٢٥ يناير، ورغم ذلك لم يمت الحلم؛ إذ عادت وزارة التنمية الإدارية- قبل حلها- لتحاول تطوير جائزة "المتميزون" وجعلها جائزة النيل للتميز الحكومي على مستوى القارة الأفريقية، غير أن هذا المشروع لم يكتمل.

    ومع قيام وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري بإحياء موضوع التميز الحكومي، ورغم أهمية المبادرة والجهد المبذول بها، فإنه كان من الأهمية بمكان دراسة ملف جائزة "المتميزون" دراسة جادة ومتأنية، لأنه رغم الجهود والتمويل الذي بذل في الجائزة، فقد شاب التطبيق جوانب قصور عديدة، أفرغت الجائزة من مضمونها وأهدافها.

    ومن أهم جوانب القصور في "المتميزون" هو أن المتميزين حصلوا على جوائزهم، وظلوا في مواقعهم الإدارية دون أي تغير؛ فمن حصل على جائزة أفضل باحث لم يتم تفعيل بحثه وأفكاره على أرض الواقع، فظلت حبيسة الأدراج.

    وأتذكر أن من حصلت على جائزة أفضل موقع إلكتروني- وكانت بالفعل جديرة بتلك الجائزة- تعرضت للتنكيل والعقاب لتميزها، فتركت موقعها إلى مكان آخر.

    والقصص كثيرة ومتنوعة على أن الجائزة لم تؤثر بشكل إيجابي في المسار الوظيفي للحاصلين عليها، بل كانت لها تداعيات سلبية في بعض الأحيان.

    وهو الأمر الذي يطرح تساؤلا مهمًا مفاده: ماذا بعد الحصول على الجائزة؟ وهو سؤال موجه إلى مخططي ومنظمي جائزة التميز الحكومي؟

    هل يوجد توجه لكيفية الاستفادة من هذه الكفاءات وترقيتها لخلق التنافسية والحافز داخل الجهاز الإداري على الابتكار والتميز؟

    هل ستقوم الجهات الرقابية بتضمين أسماء الحاصلين على جوائز في قاعدة بيانات المرشحين لتولي مناصب قيادية في الدولة؟

    هل قام الإعلام بتركيز الضوء على أصحاب الجوائز من أجل بث طاقة إيجابية في شرايين المجتمع المصري؟

    عادة ما ينتهي الأمر في مصر باحتفالية لمنح الجوائز، ثم يغلق الستار، وننسى هؤلاء.

    في تقديري المتواضع الأمر يجب ألا ينتهي عند منح الجوائز؛ إذ ينبغي استثمار ذلك الحدث- رغم ما قد يشوبه من جوانب قصور- في قياس فعالية سياسات ورؤى من حصلوا على تلك الجوائز- هم والجهات التي يتبعونها. مثلما لا بد من قياس أثر الأفكار التي تم بموجبها منح أصحابها جوائز في تحقيق استجابة أفضل للمطالب الجماهيرية.

    أيضا لا بد من توثيق تلك التجارب الفائزة والقياس عليها في المراحل القادمة لتنظيم جوائز التميز الحكومي.

    كما لا بد من العناية بالتدريب ووضع برامج متنوعة تصب في تحقيق الجدارة والتميز ومن بينها برامج تتعلق بأطر الجودة والحوكمة وكفاءة الإنفاق العام والحد من الفساد وتحقيق النزاهة والشفافية؛ اذ تعتبر تلك الأطر هي معيار تميز الحكومات ومعيار قياس فعالية أدائها ومن ثم حصولها على ثقة المواطن ودعم شرعيتها.

    ويبقى العمل على انتقال الحصول على هذه الجوائز على الصعيد الدولي الأممي، من خلال المشاركة وترشيح أصحاب تلك الجوائز للتنافس على الصعيد الدولي، سواء على صعيد جائزة الأمم المتحدة (شبكة الأمم المتحدة للإدارة العامة)، أو على صعيد الجوائز الأفريقية لتميز الإدارة الحكومية، آخذا في الاعتبار أن مصر كانت من بين الحاصلين على تلك الجوائز في الفترة من ٢٠٠٨ وحتى ٢٠١١.

    إعلان

    إعلان

    إعلان