أحمد زكي.. رسالة من العالم الآخر

د. أحمد عمر

أحمد زكي.. رسالة من العالم الآخر

د. أحمد عمر
09:00 م الأحد 17 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا أعلم لمن أوجه هذا الخطاب، فقد كنت حتى أيام قليلة أتمنى أن تتاح لي فرصة التواصل مع دنيا الأحياء، لأطمئن على ابني "هيثم" الذي تركته وحيدًا من أكثر من أربعة عشر عاماً، ولكني فوجئت بحضوره هو إلى عالمنا ليلتئم شملنا مرة أخرى، وليتحرر هو من ثقل الوحدة التي كان يعيش فيها، والتي أصبحت على قناعة أنها كانت قدرنا وميراثًا روحيًا يسري في دمنا.

وقد أراد الله الرحيم بعد رحيل "هيثم" من دنياكم وقدومه إلى عالمنا، أن تطوف روحي بدنيا المصريين؛ لأشاهد كل أشكال التعاطف والحب التي منحوها له، والتي ذكرتني بالحب والتعاطف الذي شعرت به منهم في مرضي الأخير.

ولهذا سوف أوجه خطابي للمصريين، الذين غمروني بحبهم في حياتي وعند موتي، وغمروا ابني "هيثم" بحب مثله بعد رحيله؛ لأشكرهم جميعًا، وأقول: كنتم جميعًا أهلي وأهله، وكأنكم من لحمنا ودمنا. وأن حبكم أشعرني أن عمري الذي مر سريعًا بينكم، وأخلصلت فيه لموهبتي وفني، لم يذهب هدرًا.

ولأنقل لهم بعض مظاهر حياتنا هنا، والدرس الذي تعلمته من تجربة حياتي وموتي.

بداية نحن نعيش هنا في منطقة خاصة ببعض مشاهير الكتاب والفنانين والسياسيين المصريين، الذين أخلصوا لقناعاتهم ومبادئهم وفنهم ورسالتهم، فأحبهم في حياتهم أبناء شعبهم، وأخلصوا لهم الدعاء بالرحمة بعد موتهم.

ونتيجة هذا الحب، غمرتهم رحمة الله بعد موتهم، وتجمعوا معًا في منطقة برزخية بين الموت والحياة الأخرى، في انتظار عفو ورحمة الله النهائية عندما ينفخ في الصور ليوم الحشر العظيم.

وأبرز من رأيتهم هنا من الفنانين سيد درويش، والست أم كلثوم، وبلدياتي الشرقاوي عبدالحليم حافظ، وبليغ حمدي، وسيد مكاوي.

ومن الممثلين عمنا فريد شوقي، والأستاذ الكبير محمود مرسي، وصديقي محمود عبدالعزيز. ومن الكتاب والصحفيين الأستاذ أحمد بهاء الدين، والأستاذ محمود السعدني، والأستاذ محمود عوض.

ومن السياسيين والقادة العسكريين الرئيس جمال عبدالناصر، والفريق عبدالمنعم رياض، والفريق سعدالدين الشاذلي.

والقاسم المشترك بين هؤلاء، أنهم كانوا صادقين ومُخلصين في حياتهم، ورغم بعض أخطائهم وتناقضات سلوكهم وخياراتهم، فقد ظلوا محبوبين من المصريين في حياتهم وبعد مماتهم.

ولن أدخل في تفاصيل جلساتنا وحواراتنا المستمرة هنا؛ لأن المجالس أمانات، ولأن لعالمنا البرزخي أسراره التي يجب أن يُضن بها على غير أهله.

وكم كنت أتمنى أن أنقل إليكم تفاصيل الحوارات المستمرة والعاصفة بين الرئيس عبدالناصر والأستاذ أحمد بهاء الدين، وخاصة أنهما لم يلتقيا بشكل شخصي طوال حياتهما الأرضية، رغم القواسم الشخصية والفكرية المشتركة الكثيرة بينهما. وهي الحوارات التي ينضم إليها أحيانًا الفريق عبدالمنعم رياض، والفريق سعد الشاذلي.

وقد سمعت الأستاذ أحمد بهاء الدين يتمنى أن يحصل على إذن إلهي؛ لينشر من عالمنا كتابًا بعنوان "محاوراتي في الآخرة مع عبدالناصر"، أسوة بكتابه الذي نشره في حياته الأرضية، وحمل عنوان "محاوراتي مع السادات".

ولعل أجمل الجلسات التي أستمتع بها وتؤنس روحي وتشعرني بالبهجة والفرحة التي افتقدتهما كثيرًا في حياتي الأرضية، هي الجلسات التي تجمع بين الست أم كلثوم والأستاذ محمود السعدني وصلاح جاهين وبليغ حمدي وسيد مكاوي، ولهذا أحرص على حضورها مع صديقي محمود عبدالعزيز وعمنا فريد شوقي.

أما الدرس الكبير الذي خرجت به من تجربتي حياتي وموتي، ومن حواراتنا هنا، وقربي الشخصي من هؤلاء المصريين العظماء، وأحب أن أنقله لبقية المصريين الأحياء، هو: أن مصر بلد عظيم، وشعبها من أجمل الشعوب، رغم كل مظاهر التشوه في ثقافته وشخصيته التي نتجت عن عهود من الفساد والتجريف والتخريب المُتعمد.

وأن الصدق كان وسوف يظل جواز مرور الفنان والكاتب والسياسي لقلوب المصريين، وبه يظل حيًا بينهم؛ فكونوا صادقين في حياتكم الأرضية، تفوزوا بطوفان من المحبة في حياتكم الأرضية، وبالرحمة والسعادة في الحياة الأخرى.

في النهاية، شكرًا على محبتكم يا مصريين، وكم أتمنى أن أظل حيًا في قلوبكم إلى يوم الدين، وأن تدعو لي ولأحبابي ورفقائي هنا بالرحمة والمغفرة دائمًا.

إعلان

إعلان