الطالبة والأستاذ

د. جمال عبد الجواد

الطالبة والأستاذ

د. جمال عبد الجواد
09:00 م الثلاثاء 12 نوفمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

في الفيديو الشهير لواقعة المواجهة بين الطالبة والأستاذ، تبادل الطرفان التهديد والاستهزاء. توعدت الطالبة الأستاذ بسبب الضرر الذي ألحقه بهاتفها الجوال. استخدمت الطالبة التعبير الشائع "حاوريك"؛ فيما هزأ الأستاذ بتهديدها، مستخدما "إفيه" سخيفًا وقديمًا، قائلا لها إنه لا يجوز أن "توريه" في حضور الطلاب، محولا التهديد إلى سخرية ذات دلالة جنسية؛ فانفجر الطلاب الحاضرون في المدرج بالضحك بصوت عال كأنهم يشاهدون مسرحية هزلية للراحل محمد نجم، فيما انفجر الجدل على منصات التواصل، واختلف الناس حول ما إذا كان الخطأ يقع على الأستاذ أم الطالبة؛ وشعرت إدارة الجامعة بالحرج، ففتحت تحقيقا في الواقعة.

لا نعرف ما هي النتيجة التي أسفر عنها التحقيق، وحقيقة الأمر هي أنني لست مشغولا بالتحقيق وما يسفر عنه، فالقضية أكبر بكثير من طالب قليل الأدب، وأستاذ تعوزه اللياقة. ولكن الأمر الذي يحتاج إلى تحقيق وعلاج حقيقي هو كيف وصلت الجامعة إلى هذا المستوى، وكيف يمكن الخروج من هذا المأزق.

يظهر الفيديو المتداول مدرجا كبيرا جدا في كلية التجارة، يجلس فيه مئات الطلاب، ويقف فيه الأستاذ في أسفل وأبعد نقطة من المدرج بعيدا جدا عن الطلاب. هذا المشهد ليس مقصورا على كلية التجارة وحدها، ولكنه مشهد متكرر في كل جامعات مصر وكلياتها تقريبا.

يقول الأستاذ، بطل الواقعة، إن الطالبة كانت تتحدث في الهاتف، وإنه كان هناك طالب آخر يدخن. كل هذا يحدث أثناء المحاضرة؛ إذ يبدو أن هناك شيئا ما يغري بالتحلل من محاسن الأخلاق واللياقة والآداب العامة في هذه المدرجات الكبيرة، التي لا تسمح بإقامة أي علاقة تدريس وإشراف ورعاية ونقاش بين الأستاذ الواقف بعيدا، ومئات الطلاب، خاصة هؤلاء الجالسين في الصفوف الأخيرة، والذين يظنون أن وقوف الأستاذ بعيدا يحررهم من رقابته وسلطته.

لا يمكن تصور حدوث مثل هذا المشهد الهزلي في أي جامعة محترمة في العالم. ولكن الكثير من العجائب يمكن أن يحدث في جامعاتنا. فعندما تجتمع هذه الأعداد الكبيرة من الشبان والفتيات، في عمر الفتوة والتفتح والانفجار الهرموني، في مدرجات ضيقة، لا توجد فيها سلطة من أي نوع، سوى سلطة أستاذ مسكين يقف وحيدا في طرف المدرج البعيد، فإن الموقف يغري بالخروج عن المألوف، وكسر قواعد الأدب، وتحدي السلطة.

إنها جامعة الأعداد الكبيرة جدا التي أصبحت ظاهرة اجتماعية أكثر منها مؤسسة تعليمية. ينطبق هذا بالذات على الكليات النظرية ذات الأعداد الكبيرة، خاصة التجارة والحقوق والآداب؛ والتي تقبل فيها الجامعات أعدادا كبيرة من الطلاب ليس بسبب حاجة المجتمع لهم، أو بسبب شغف الطلاب بما تقدمه من معرفة، وإنما لأن قبول الطالب فيها لا يكلف أكثر من تكلفة 40 سم على دكة الجلوس في هذا المدرج الكبير، يجلس عليها الطالب محشورا بين زملائه؛ وفي الحقيقة فإنه من الأفضل له ألا يذهب إلى هذا المكان المزدحم على الإطلاق، تاركا المساحة المخصصة له حسابيا لطلاب آخرين، ليجلسوا وهم أكثر استرخاء، بدلا من خنقة الزحام في هذا المدرج المكدس.

دعك من كل التحقيقات التي ستجريها جامعة طنطا في واقعة الطالبة والأستاذ، ودعك من كل العقوبات والاعتذارات؛ فكل هذا معدوم الصلة بجذر المشكلة الكامن في هذه الجامعات الجماهيرية الكبيرة.

المطلوب هو تفكيك جامعاتنا الكبيرة جدا إلى عدد من الجامعات الأصغر التي تتنافس فيما بينها لتقديم تعليم وبحث علمي أكثر رقيا.

مطلوب إلغاء كل هذه المدرجات الكبيرة، واستبدال قاعات تدريس أصغر كثيرا بها، يكون فيها الطلاب أقرب لأستاذهم، وأكثر قدرة على التواصل معه. أما تلك المدرجات الكبيرة فربما تصلح للعروض المسرحية والمحاضرات العامة، ولكنها بالتأكيد لا تصلح للتدريس.

إعلان

إعلان