لولا أنور السادات ما كنا هنا

د. جمال عبد الجواد

لولا أنور السادات ما كنا هنا

د. جمال عبد الجواد
09:00 م الأحد 06 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

سيناء، أكتوبر، أنور السادات. ثلاثية لا يمكن أن نذكر أحد أطرافها إلا وتذكرنا الطرفين الآخرين. أنور السادات هو الاسم الحاضر في أي حديث عن أكتوبر وسيناء. قبل السادات لم يعرف العرب إلا الهزيمة في الحروب مع إسرائيل. حرب أكتوبر هي أول نصر عسكري عربي ضد إسرائيل. لولا السادات لكانت أرض سيناء الآن رهينة لدى إسرائيل، بالضبط كما هي الجولان مازالت رهينة لديها حتى الآن. لولا السادات لكان الإسرائيليون والأمريكيون الآن يقتطعون من أرض سيناء ما يشاءون من أرض يضمونها لقطاع غزة، تنفيذا لمخططات تريد حل مشكلة غزة / فلسطين على حساب مصر.

أنور السادات هو بلا منازع أكبر عقل استراتيجي أنجبته الأمة المصرية. كل الزعماء لديهم أهداف كبرى، لكن أصحاب العقول الاستراتيجية فقط هم من يعرفون كيفية تحقيق هذه الأهداف. ما أسهل أن يتبنى الإنسان أهدافا عظيمة رائعة، فالحلم لا يحتاج لعظمة من أي نوع، فأي إنسان بسيط يمكنه أن يحلم بما يشاء. الأحلام العظيمة تبقى أوهاما كبيرة غير قابلة للتحقيق طالما غابت استراتيجية تحقيقها، وهذا هو إنجاز السادات الكبير.

ظهرت عبقرية السادات الاستراتيجية مرتين؛ مرة عندما أجاب عن السؤال المتعلق بكيفية الفوز في حرب يتفوق فيها الخصم عسكريًا في كل المجالات. أما في المرة الثانية، فقد استطاع السادات توظيف الدبلوماسية لاستكمال المسيرة التي بدأها الجيش، وصولا إلى الهدف والحلم النهائي الكبير، تحرير سيناء.

انتصر الجيش المصري في أكتوبر رغم أنه لم يكن الأقوى. امتلكت إسرائيل أسلحة زادت عما امتلكه المصريون في كل المجالات، لكن جيش مصر بقي الأفضل لأنه عرف جيدا الهدف المطلوب تحقيقه، ووظف القليل الذي كان لديه لتحقيق هذا الهدف. احتلت إسرائيل سيناء في حرب يونيو 1967، وقام التفكير الاستراتيجي المصري حتى مجيء السادات على ضرورة شن الحرب من أجل تحرير سيناء، ولهذا لم يشن الجيش المصري الحرب. تحرير سيناء من خليج السويس إلى خليج العقبة هي عملية عسكرية كبرى، تحتاج لجيش لديه عدة أضعاف ما لدى الجيش المصري من قوات وعتاد؛ لكن لا السوفييت ولا الأمريكيين كانوا ليسمحوا للجيش المصري بالوصول إلى مستويات التسليح التي تسمح له بشن حرب تحرير من الخليج إلى الخليج. كان على العقل الاستراتيجي المصري الكف عن استجداء القوتين العظميين والتذلل في المحافل الدولية، والانتقال لمرحلة العمل المباشر بما هو متاح في اليد من إمكانيات محدودة، وهنا جاءت عبقرية السادات الاستراتيجية.

درس السادات العقل السياسي الإسرائيلي جيدا، واستنتج أن الإسرائيليين سيتمسكون بسيناء المحتلة طالما اعتقدوا أنه يمكنهم القيام بذلك بلا تكلفة، لأن الجيش المصري أضعف من أن يشن حرب تحرير سيناء. قال السادات لندع الإسرائيليون يواصلون اعتقادهم هذا، حتى لا يلاحظوا الاستعدادات التي نقوم بها من أجل الحرب. إنها خطة الخداع الاستراتيجي الكبرى التي أشرف عليها السادات بنفسه. في نفس الوقت خطط السادات لشن حرب من نوع يختلف عن النوع الذي فكر فيه الإسرائيليون. قال السادات إن مصر لا تحتاج لشن حرب تحرير سيناء من خليج السويس إلى خليج العقبة، ولكنها تحتاج إلى إجبار الإسرائيليين على اكتشاف أنه لا يمكنهم مواصلة الاحتفاظ بسيناء بلا تكلفة، وأن التكلفة التي سيتحملونها في سبيل ذلك ستكون قاسية، وهذه هي خطة حرب أكتوبر، التي انتصر فيها الجيش المصري بلا منازع، والتي استكملها السادات بمبادرة السلام التي أعادت لمصر كامل سيناء، فشكرا وتحية للرئيس السادات، أعظم عقل استراتيجي مصري.

إعلان

إعلان

إعلان