أصحاب الهمم (16).. من أهم رواد التجديد في الشعر العربي "2"

د طارق عباس

أصحاب الهمم (16).. من أهم رواد التجديد في الشعر العربي "2"

د. طارق عباس
09:00 م الخميس 17 أكتوبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لقد تعامل بشار بن برد مع عاهة العمى وكأنها نقطة نور في حياته يوظفها في استكشاف مكامن تميزه بل وإبداع صورة شعرية ربما لم يسبقه إلى مثلها المبصرون، أضف إلى ذلك امتلاكه لناصية اللغة واشتهاره بالفصاحة بين معاصريه لذلك كان مصنفا بين النقاد بوصفه واحدًا من أهم فحول الشعراء المخضرمين "أي الذين عايشوا عصرين هما الأموي والعباسي".

قال بشار الشعر ولم يتجاوز العاشرة من عمره، ومنذ هذه السن المبكرة، أخذ الصبي يبحث لنفسه عن مكان بين الناس، فأسعفته خبرته الفنية – التي تكونت لديه من نشأته في "بني عقيل" بأن الهجاء هو أفضل السبل التي تجعله مشهورًا ومعروفًا، فبدأ بهجاء من حوله، فسخر منهم واستهزأ بهم موظفًا ما حفظ من التعبيرات والمصكوكات اللفظية من أجل خدمة هذا الهجاء- الذي يبدو من خلال ما وصلنا منه-، أنه كان لاذعا ومقزعا ومؤثرًا إلى حد كان يدفع الناس دفعًا للذهاب إلى برد والد بشار، ليشكوا إليه هجاء ابنه لهم؛ لذلك كان أبوه يضربه ضربًا مبرحًا، بينما كانت أمه لا تفتأ تقول لأبيه: (أما رَحِمتَ هذا الصبي الضرير وأنت دائم الضرب له، فيجيبها، إني والله لأرحمه، لكنه يتعرض للناس فيشكونه لي)، فيستمع بشار لقول أبيه ويحس بنغمة العطف في إجابته فيطمع في الرجل ويقول له: (إن شكوني إليك فقل لهم: أليس الله يقول "ليس على الأعمى حرج"، وعندما عاود الناس يشكون إليه بشارًا، رد عليهم بما اقترحه ابنه فانصرفوا عنه حانقين وهم يرددون "(فقه برد أغيظ لنا من شعر بشار).

نظرًا ليقين بشار بأهمية الهجاء وضرورته لمن يكتب الشعر، راح يبحث لنفسه عن شاعر كبير يهجوه، وهو ما فعله مع عملاق الشعر الأموي "جرير"، لكن الأخير لم يكترث به أو يرد عليه وأكد بشار تلك الحقيقة بقوله: (هجوت جريرًا، فأعرض عني واستصغرني ولو أجابني لكنت أشعر الناس).

للأسف الشديد ظل بشار يهجو الناس وينتقض تصرفاتهم وينتقص من قيمتهم، وربما كانت دوافعه إلى ذلك، هي إجبار الذين يمدحونه على زيادة عطائهم، وفي الوقت نفسه حماية حياته من أولئك الذين يعيرونه بعماه أو بانتمائه للفرس، لذلك كَثُرَت قصائده في الهجاء وعندما سئل عن سر تلك الكثرة، أجاب:

(إني وجدت الهجاء المؤلم آخذ بطبع الشاعر من المديح الرائع، ومن أراد أن يُكرَم في دهر اللئام على المديح، فليستعد للفقر وإلا فليبالغ في الهجاء، ليُخاف فيُعطى)، وقد تسبب هذا المنهج في أن يجر على شاعرنا وبالاً عظيمًا؛ لأنه سهل على حساده والمتربصين به الطريق؛ لتلفيق التهم له كتهمة الزندقة التي استغلها أحد خصوم بشار وهو "يعقوب بن داوود" للوشاية به عند الخليفة المهدي، ما أدى لقتله سنة 168 هجريًا.

وللحديث بقية.

إعلان

إعلان