• إصلاح التعليم العالي.. البحث العلمي والابتكار

    د. غادة موسى

    إصلاح التعليم العالي.. البحث العلمي والابتكار

    د. غادة موسى
    09:00 م الأحد 06 يناير 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    كان الرئيس عبدالفتاح السيسي أكد في السادس من أغسطس عام ٢٠١٧، في عيد العلم، أن المجتمع المصري في أمسّ الحاجة لمخرجات علمية وتكنولوجية جديدة في مجالات الصحة والزراعة والدواء والغذاء والطاقة البديلة ومعالجة المياه والسيارات ومجالات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

    وقد جاء هذا الحديث ليؤكد التزام الدولة بما جاء في دستور ٢٠١٤ في المادة (٢٣) بدعم حرية البحث العلمي وتشجيع مؤسساته، باعتباره وسيلة لتحقيق السيادة الوطنية وبناء اقتصاد المعرفة. كما تشير ذات المادة إلى واجب الدولة في رعاية الباحثين والمخترعين، وتخصص الدولة للبحث العلمي نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن ١٪ من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

    كان من المتوقع الوصول لهذه النسب في العام المالي ٢٠١٦- ٢٠١٧ ليصل إجمالي الإنفاق على قطاعات الصحة (٤٪ من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للدستور) والتعليم (٣٪ من الناتج المحلي الإجمالي وفقا للدستور) والبحث العلمي (١٪ من الناتج المحلي الإجمالي وفقاً للدستور) إلى ٢٨٤ مليار جنيه في ميزانية ٢٠١٦-٢٠١٧ بزيادة ١٠٠ مليار جنيه عن الزيادة الطبيعية في الإنفاق على هذه القطاعات. وهذا ما ورد في البيان المالي عن مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية ٢٠١٤-٢٠١٥.

    جدير بالذكر أن من بين مؤشرات كفاءة الإنفاق العام قياس أثر الإنفاق على البحث العلمي والابتكارات على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث لا ينفصل هذا عن ذاك، خاصة مع وجود وعي بأن زيادة الإنفاق على البحث العلمي له نتيجة مباشرة على تحسن مؤشرات الصحة والتعليم والزراعة والتصنيع.

    وبالنظر إلى نصيب البحث العلمي في الموازنات العامة للدولة منذ موازنة ٢٠١٤-٢٠١٥، نجد- على سبيل المثال- أن إجمالي الدعم على المنح والأنشطة الاقتصادية كان حوالي ٩ مليار جنيه، منها مليار جنيه لدعم التحول للطاقة النظيفة. وهو يدخل في إطار تنشيط البحث العلمي للتحول للطاقة النظيفة. أي ثُمن إجمالي الدعم على الأنشطة الاقتصادية، وهو مبلغ زهيد للغاية بالقياس إلى أهمية النشاط من الناحية الاجتماعية والبيئية والاقتصادية والاستراتيجية.

    وكان من المفترض أن يبلغ نصيب البحث العلمي من موازنة 2016- 2017 حوالي ٣٤ مليار جنيه من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بحوالي ١٩ مليار جنيه حجم الإنفاق الحالي بنسبة ٠،٧٨٪، وفي موازنة ٢٠١٧- ٢٠١٨ حوالي ٤١ مليار جنيها من الناتج المحلي الإجمالي، وحوالي ٥٢ مليار جنيه في موازنة ٢٠١٨- ٢٠١٩. علماً بأن هذه المبالغ المقررة دستورياً توزع على الجامعات والمراكز البحثية بالوزارات كالزراعة والصحة والكهرباء وهيئات الطاقة الذرية والطاقة النووية.

    لذلك من الصعب الحديث عن الابتكار والمجتمع الرقمي وريادة الأعمال في ضوء إنفاق زهيد على البحث العلمي. وبمناقشة الرأي القائل بأننا لا نريد ذكر نسبة محددة حتى لا يتم الطعن على عدم دستورية موازنات الدولة، فإن هذا الرأي يضعنا أمام إشكالية فكرية، وهي "لم يتم وضع الموازنات؟ " فالموازنات لا توضع لذاتها، وإنما كتعبير نقدي للقيمة الاجتماعية.

    والقيمة الاجتماعية تتجسد في عمل حي ومختزن وزائد. ولنا أن نتصور حجم العمل المختزن في الآلة أو الإنسان الآلي أو بحثاً علمياً يقدم حلاً لمشكلة اجتماعية كمشكلة نقص المياه أو مشكلة الأمن الغذائي والتصحر أو الوقاية من بعض الأمراض أو الوصول لآخر طفل في أبعد نقطة في مصر!

    فيكون التساؤل: هل نحن نخشى عدم الوصول إلى نسبة الـ١٪ أم أن البحث العلمي لم يصل بعد إلى أولويات الإنفاق العام في ضوء وجود أولويات أخرى كالإنفاق على الصحة والتعليم، وهو أمر وارد، أم أننا ننظر للبحث العلمي بشكل منفصل عن الإنفاق على كل من الصحة والتعليم، أم أن البحث العلمي ما زال رفاهية؟!

    وهو أمر لا أتوقعه في ظل انشغال العالم بالحديث عن الابتكارات العلمية الموفرة للطاقة النظيفة والثورة الغذائية بالاستفادة من جينات الحيوانات، بدلا من قتلها للحفاظ على سلالاتها، بالإضافة للزراعات الرأسية والتعليم الرقمي وزيادة الإنتاجية بتطوير التقنيات، فلا يكاد يخلو مؤتمر دولي أو إقليمي من موضوعات الابتكار والثورة الصناعية الرابعة.

    ولا أتصور أن ١٪ أمر صعب المنال بالنظر إلى إمكانية تدبر المبلغ الذي تقوم عليه اقتصادات الدول كافة، خاصة أن الدستور- في ذات المادة- يحث على المساهمة الفعالة للقطاعين الأهلي والخاص والمصريين في الخارج من أجل نهضة البحث العلمي.

    كما أن التفكير في نتيجة زيادة الإنفاق على البحث العلمي في توفير الدعم على الطاقة والمياه والنقل، ومن ثم تحسين حياة المواطنين والبيئة- كفيلٌ بالتشجيع على المضي قدماً في الوفاء بالاستحقاق الدستوري بنسبة الـ١٪ مع تثبيت هذه النسبة حتى عام ٢٠٣٠، وهو عام قياس أداء الدول في تحقيق أهداف التنمية المستدامة الأممية والمحلية.

    وحتى نكون جزءًا من الحل، وليس المشكلة، ينبغي أن ينصرف التفكير إلى المصادر الأخرى لتمويل البحث العلمي، مثل ما يلي:

    الاستفادة من المنح في النهوض بالمعامل والمكتبات والمراكز البحثية.

    زيادة مساهمة الشركات والقطاع الخاص في موازنة البحث العلمي، وتغيير النظرة لموضوعات البحث العلمي كنصيب من المسؤولية المجتمعية لمؤسسات القطاع الخاص فقط، بهدف الحصول على بعض الإعفاءات الضريبية، وإنما النظر له بهدف تطوير أعمال تلك الشركات.

    بيع حقوق الملكية الفكرية، واستخراج ما تزخر به أكاديمية البحث العلمي من أبحاث وبراءات اختراع لم ترَ النور، وعمل قاعدة بيانات رقمية لها لحمايتها كأصل من أصول الدولة من جهة، ودراسة تفعيلها من جهة أخرى.

    اعتبار البحث العلمي من أولويات مكونات الإنفاق الاستثماري، مقارنة بالطرق على سبيل المثال.

    تحصيل جزء من إيرادات بيع الغاز والذهب لصالح موازنة البحث العلمي.

    وأخيراً وليس آخراً زيادة مساهمة الجامعات الخاصة في موازنة البحث العلمي للجامعات الحكومية، من خلال اتفاقيات التوأمة والشراكة بين الكليات والمعاهد المناظرة.

    إن تعهد المجتمع المصري، من خلال الدستور بنسب محددة للإنفاق على رأس المال الاجتماعي وتحقيق قيمة اجتماعية تساعد على تجديد الإنتاج الاجتماعي من جهة والانعتاق من التبعية التقنية، بل المساهمة في التطور التقني (المعرفي التكنولوجي الرقمي) العالمي من جهة أخرى- كفيل بأن نتمسك بهذه النسب، ويمكن أن نثبتها لا أن نقلل منها أو ننكرها، لأن ذلك مفاده غياب المثابرة في زيادة الإنتاج والاستسلام للعجز في الموازنة.

     

    إعلان

    إعلان

    إعلان