عن الخطط طويلة الأجل وردّ الاعتبار للقصة القصيرة

محمود الورداني

عن الخطط طويلة الأجل وردّ الاعتبار للقصة القصيرة

محمود الورداني
09:00 م الخميس 03 يناير 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يبدو أننا في طريقنا لاستعادة القصة القصيرة التي غابت طويلا بعد موجات من الازدهار والتوهج، أعقبتها موجات أخرى من الجفاف والضمور، حتى أوشكت على إخلاء المسرح تماما للرواية، وطفت على السطح مقولة أطلقها د. جابر عصفور مفادها أننا نعيش زمن الرواية..

ففي العام الماضي تحديدًا، الذي رحل من ساعات، صدر عدد كبير من المجموعات القصصية لشابات وشبان على الأغلب، يستعيدون من خلالها مجد القصة القصيرة ورد الاعتبار لها، بل إن الشهور الأخيرة في العام الماضي شهدت إصدار ثلاث مجموعات قصصية لكاتبين سبق أن لفتا الانتباه إلى إنتاجهما السابق هما محمد عبدالنبي وحسن عبدالموجود اللذان أصدرا مجموعتين قصصيتين لافتتين، والثالثة للكاتب محمد فرج بمجموعته الأولى "خطط طويلة الأجل".

لا أريد أن أنزلق للمفاضلة بين الفنين: أي أيهما أفضل.. القصة القصيرة أم الرواية؟ كما أنني لا أريد الدفاع عن القصة القصيرة في مواجهة الرواية. فكل منهما شكل مستقل من أشكال الكتابة، وليست القصة القصيرة مجرد "معبر" يعبر الكتابة من خلالها للرواية.

والأمثلة لا تنتهي، فيحي حقي قدّم أعذب المجموعات القصصية وأكثرها فتنة وتأثرًا. ويوسف إدريس صنع مجده من خلال القصة القصيرة وحدها، بل وحقق إضافة كبرى لهذا الفن على المستوى العالمي. أما كتاب الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فقد حققوا أيضا نقلة مهمة ما زال تأثيرها ممتدًا حتى الآن.

أريد أن أؤكد أن هناك تجارب لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال القصة القصيرة، بينما هناك تجارب أخرى لا يمكن التعبير عنها إلا من خلال الرواية. ومثلما شهدت القصة القصيرة رواجًا وازدهارًا منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى السبعينيات من القرن الماضي، شهدت الرواية رواجًا وازدهارًا بعد ذلك.

أما المجموعة القصصية "خطط طويلة الأجل" التي صدرت أخيرًا عن دار العين لمحمد فرج، فعلى الرغم من أنها المجموعة الأولى للكاتب، إلا أنها تخلو تماما من عيوب ومثالب الكتاب الأول، ويبدو الكاتب مدربًا وعارفاً لفن القصة القصيرة وعاكفاً عليه بلغة سليمة مصقولة، وليس المقصود بالطبع سلامة النحو والصرف، بل سلامة وسلاسة التعبير، كما أن الصقل هنا ليس مقصودًا به إلا القدرة على النفاذ.

تضم المجموعة خمس عشرة قصة تشيّد عالمًا على الحافة، بين الجنون والمزيد من الجنون، عالمًا قائِمًا على العنف ومتكئاً عليه.

وإذا كانت كل قصص المجموعة مروية بضمير المتكلم، باستثناء قصة واحدة يتبادل الحكي فيها رجل وامرأة، فإن الكاتب استخدم هذا الضمير بكفاءة ودقة لافتتين.

من جانب آخر لا يقدم الكاتب ولا يهمه أن يقدم حكاية ما، بل إحساسًا أو رغبةً مبتورةً أو محاولة لردع الشر والعدوان. ففي القصة الأولى "أثر المنديل" يتوقف الراوي عن محاولة الانتحار، ويكتفي بإلقاء نظارته ومنديله في البحر.. وفي قصته "يقين" يستلقي على الفراش حتى تأتي امرأة ما غامضة لا يعرفها وتستلقي بجواره.. وفي قصة "مهمة عمل" لا يستطيع الراوي أن يحمي نفسه من الأشرار الغامضين كما لا يستطيع حماية رفيقته.. و"في أعمال حكومية" لا ينجح الراوي لأسباب قدرية غامضة في تحقيق رغبة بالغة البساطة، وهي مجرد تغيير اسم ابنه.. وفي أطول قصص المجموعة "يوم طويل" يصاب العالم المستقر بلوثة جنون تطيح بكل ما هو مستقر دون مبرر منطقي.. تتحول الزوجة إلى غانية والشوارع والبيوت إلى ما يشبه ساحات حرب ولا شيء مكتمل ولا تواصل يمكن أن يتم.

على هذا النحو تمضي بقية القصص الفاتنة الخاطفة لمحمد فرج.. هي قصة واحدة لا تتكرر مطلقا لكنها تشتبك مع عالم واحد، يتوسل للاشتباك معه بلغة رصينة "ناشفة خالية تماما من المجاز، لذلك فهي لغة جارحة عارية تتلمس هذا العالم الجارح الممتلئ عدوانًا والمتأهب للإجهاز على الراوي..

أظن أن هذه المجموعة من القصص ستبقى طويلا.

 

 

إعلان

إعلان

إعلان