درة بوشوشة وتكريم مستحق في الجونة السينمائى الثاني

درة بوشوشة وتكريم مستحق في الجونة السينمائى الثاني

أمل الجمل
07:00 م السبت 22 سبتمبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

سيدة أنيقة، رقيقة، يزينها عقل جميل يمتلك إيمانا كبيرا بالمواهب السينمائية، إيمانا قد يفوق إيمان الأشخاص بأنفسهم أحياناً، لأنها ربما ترى ما لا يرونه في أنفسهم.

هذا الشعور لم يخالجني فقط من كلمات السينمائيين الذين أعربوا عن تقديرهم للفيلم الوثائقي القصير جدا عن المنتجة التونسية درة بوشوشة المعروض ليلة افتتاح الجونة وقبيل تكريمها، لكنه إحساس عشته بنفسي- ولو عن بعد- في تجربة معها عام ٢٠١٣ و٢٠١٤.

لم تكن تعرفني، كنت أشارك للعام التالي على التوالي بورشة عن السينما والفنون بجامعة بون، واخترت أن يكون بحثي عن السينما العربية وقدرتها على قراءة المجتمع، وكيف يمكن لثوريتها أن تكون مفتاحاً ينبئنا بثورة قادمة في المجتمع.

اخترت نماذج من مصر، ومن تونس بحكم اندلاع الثورة فيهما مبكرا، وبحكم متابعتي المكثفة للسينما فيهما من خلال فعاليات مهرجان دبي السينمائي.

الكبار فقط يردون علينا

كان هناك أفلام وثائقية لم أشاهدها لكني قرأت عن جودتها وأهميتها مثل "يلعن أبو الفوسفات"، ولأني أعلم أن منتجتها درة بوشوشة، بحثت عن بريدها الإلكتروني، وكتبت رسالة إليها أخبرها عن موضوع الدراسة ورغبتي في مشاهدة الأفلام التي أنتجتها خصوصاً عن الثورة التونسية والفترة السابقة عليها.

المفاجأة أن يصلني رد سريع من سيدة السينما التونسية القديرة والتي شاركت بلجان تحكيم بمهرجانات دولية عريقة كالبرلينالة، وحصلت علي تكريمات عدة، منها تكريم من وزير الثقافة الفرنسي، ونالت باستطلاعات بعض المجلات لقب أكثر الشخصيات السينمائية المؤثرة بأفريقيا العام الماضي، كما تم اختيارها مطلع هذا العام لتشارك في عضوية الأكاديمية الأمريكية لعلوم وفنون الصورة المانحة لجوائز "أوسكار" عام 2018.

المسؤولية والالتزام

الحقيقة أنني فوجئت بردها الإيجابي، وزاد تقديري لها فقد أدركت حينها أنه ليس فقط موضوع الدراسة الذي أعجبها هو مبرر الرد السريع، ولكن أيضاً لأن درة بوشوشة تمتلك شخصية قوية متحققة وكبيرة فقد ردت علي رسالتي دون تلكؤ، وأرسلت إليَّ روابط بعض الأفلام، ثم جعلتني أتواصل مع رفيقة دربها ومشوارها السيدة لينا شعبان التي أيضاً أرسلت لي روابط مجموعة أخرى من الأفلام، فأتممت دراستي بشكل يفوق تصوري، ولا أنسي أبداً ذلك اليوم الذي شاهدت فيه "يلعن أبو الفوسفات" للمخرج سامي تليلي، وتلك الليلة التي جافاني فيها النوم عقب مشاهدته، صحيح أن الفيلم يتحدث عن جنين الثورة التونسية ومحاولات وأدها المبكرة قبيل واقعة حرق بوعزيزي، لكن هذا لم يكن وحده ما شغلني وبهرني.

حقيقة أرَّقني أمر آخر يتعلق بالمسؤولية والالتزام، ودور الإنسان تجاه مجتمعه والناس من حوله، مهما يكن الثمن الذي سيدفعه.

هذا الأرق الجميل جعلني أُوقظ زوجي المناضل واليساري شريف حتاتة من نومه لأتحدث معه عن مضمون الفيلم ولأشاركه أفكاري، فصمت قليلاً قبل أن يطلب مني أن نشاهده سوياً وبقينا حتي الصباح في حوار منساب كالنهر، يروح ويجيء حول شخصيات الفيلم ومخرجه ودور امرأة مثل درة بوشوشة في إنتاجه.

وبقي في داخلي امتنان عميق لتلك السيدة التي آمنت بفكرة بحثي ودعمتني حتى من دون أن تراني أو تعرفني، من دون أن تشترط عليَّ إرسال نسخة من الدراسة، وحتى عندما التقيت بها ذات يوم على الطائرة وشددت على يدها بحب كبير، وشكرتها على ما فعلته أجابتني بابتسامة يغمرها التواضع والخجل.

تحية غير متوقعة

هذه السيدة الجميلة والأنيقة أثناء وجودها علي منصة التكريم ليلة افتتاح مهرجان الجونة السينمائي قبل يومين وبعد تسلمها جائزة الإنجاز الإبداعي، وبعد أن أعربت عن تقديرها وفخرها بالتكريم، هنا وجهت تحية لطيفة، مُشجعة، مفعمة بالأمل وجهتها للمتطوعين الذين كرسوا وقتهم لدعم مهرجان الجونة السينمائي الثاني - الممتد من ٢٠ - ٢٨ سبتمبر الجاري - من دون أي مقابل ثم اختتمت كلماتها القليلة المكثفة بأنها بدأت حياتها العملية متطوعة بمهرجان قرطاج، فتحية تقدير عميقة لسيدة السينما التونسية التي كانت وراء إنتاج مجموعة من أهم الوثائقيات التونسية التي طافت مهرجانات عالمية، والتي أعادت السينما التونسية والعربية لمسابقة برلين الدولية عام ٢٠١٧ - بعد غياب عقدين - بفيلم "نحبك هادي" لمحمد بن عطية والذي فاز بجائزتين هناك، ويُحسب لتلك السيدة قدرتها علي إقناع شخصيتين في حجم الأخوين داردين - الاخوين داردين هما مخرجان ومنتجان بلجيكيان؛ واسمهما جان بيير داردين، ولوك داردين- لُيشاركا في إنتاج الفيلم ذاته.

هذا بخلاف أعمال أخرى عديدة قامت بإنتاجها وترويجها دولياً ويُمكن أن تُفسح لها مقالات تحليلية.

إطلالة سريعة على فعاليات أول يومين

هنا، أدون ملاحظاتي السريعة منذ الافتتاح حتى اليوم، ثاني أيام المهرجان. بداية، حفل افتتاح جيد موفق بأداء المذيعة ريا أبي راشد، لديها حضور، ووجه جميل، له قبول جماهيري، رغم أخطاء قليلة يمكن تجاوزها. فكرة الترحيب والتساؤلات ألقت حيوية على الحفل. كما أن الأغنية المميزة للمهرجان أعجبتني جدا، بكلماتها المعبرة عن الشكوك والهواجس التي طُرحت من النقاد والصحفيين في الكواليس ما قبل إنجاز الدورة السابقة، كما أعجبني أداء النجوم الذين تم اختيارهم لها.

لكن، رغم أهمية فيلم الافتتاح الفرنسي "سنة أولى" أو"ذا فريشمان" للمخرج توماس ليلتي إذ يُكثف الشعور بلا إنسانية دراسة الطب، وكيف تقهر الطلاب وتضغطهم عصبياً، بل تحولهم لآلات يمكن أن تفكر في تدمير الآخرين لتحصل على أحد مقاعد الدراسة في هذا المكان المحدود العدد.

رغم ذلك، أرى الفيلم غير مناسب للافتتاح، خصوصا أنه ليس فيلما سهلا، ويتم عرضه بعد حفل افتتاح طويل، تم فيه الإنصات للمكرمين والضيوف ومنظمي الحفل، وأفلام وثائقية قصيرة، وأغاني لطيفة، لذلك كان من الأفضل اختيار فيلم آخر لا يمتلئ بالمصطلحات الفيزيائية الصعبة الفهم، والذي يحتاج إلى تركيز.

ماكوين والمذنب.. تحف سينمائية

خلال اليوم الأول- ورغم شروط التذاكر الثلاث- نجحت في مشاهدة أربعة أفلام؛ إذ تبرع لي أحد الصحفيين الشباب باثنتين من تذاكره، فأصبح معي خمس تذاكر، لكني للأسف ضيعت مشاهدة الفيلم الأخير "حرب باردة" بسبب انقطاع الكهرباء أثناء عرض الفيلم المصري "يوم الدين" لمدة ١٤ دقيقة، لكني سأعوضه مساء اليوم.

بدأت يومي برائعة تسجيلية بعنوان "ماكوين"- ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية- عن مصمم الأزياء الأسكتلندي، لي ألكسندر ماكوين، منذ بحثه عن عمل، واكتشاف شغفه بتفصيل الأزياء ورحلة صعوده ونجوميته وأفكاره الغريبة، وكيف كان يستقيها، وعلاقاته، وانفصاله عن أقرب الناس إليه بكل الألم الذي سببه لهم ولنفسه، وإدمانه الهيروين وتبدلات قاسية طالت حياته ونفسه قبيل انتحاره.

تحفة سينمائية تغوص داخل نفسية هذا الفنان الحقيقي.

نهضت من مقعدي في الدقائق الخمس الأخيرة ووقفت علي باب قاعة "سي سينما" حتى انتهي الفيلم وهبطت التترات، فقفزت سريعاً لألحق بالفيلم الدنماركي "المذنب"- معروض خارج المسابقة- لأشاهد تحفة سينمائية أخرى، حقيقي شرطي سينمائي غير عادي، يتولى بطولته رجل واحد، يقوم بعدة مكالمات هاتفية في غرفة، وأقصي ما يفعله من حركة أن ينتقل من غرفة لأخرى، ليواصل محادثاته الهاتفية التي لا نري أصحابها ونشعر كأننا نعيش معهم التفاصيل والحياة والمكان.

السؤال المقلق

باختصار، البطل هنا رجل بوليس يتلقى مكالمة من امرأة مخطوفة على الطريق تقول إن زوجها سيقتلها، وابنها وابنتها وحدهما بالمنزل. هنا، رجل البوليس يحاول أن يرسل لها من ينقذها، لكنه بحاجة لرقم السيارة، فقط لونها وماركتها، هما ما تمكن من معرفتهما، لكنه يحاول التخمين ومطاردة سيارة بتلك المواصفات مما يثير غضب زملائه. فيجري اتصالات مع الابنة الخائفة، وهي طفلة ذات تسع سنوات، يحاول تهدئتها، يحكي معها، يفعل الأمر ذاته مع الأم المرتعبة المصابة بخوف هيستيري، ومع الزوج الذي يقطع الاتصال عدة مرات، ومع صديق يطلب مساعدته حينما يحاول إتمام العمل رغم انتهاء ورديته، ورغم قرار رئيسه بأن يترك المهمة لزملائه.

وخلال ذلك نعلم أن لديه محاكمة في اليوم التالي بسبب إطلاق النار على شاب أرداه قتيلاً. وها هو يتورط مجددا بسبب دوافع إنسانية بحتة في مأزق إنساني بشع.

الفيلم يطرح تساؤلا ضمنياً مرعباً: هل تنحي القانون جانباً وتمارس إنسانيتك لتنقذ شخصا يقول إنه على وشك القتل، أم تبقى ملتزما بتطبيق القانون وقواعده وشروطه؟!

أتممت الثلاثية بمشاهدة الفيلم الإيطالي سعيد مثل لازارو، للمخرج أليتشه رورفاكر، وهو يستحق مقالاً خاصاً، ثم اختتمت يومي بمشاهدة الفيلم المصري "يوم الدين" للمخرج أبو بكر شوقي الذي شارك من قبل في مسابقة كان السينمائي، وأعاد مصر للمسابقة الدولية، بعد غياب خمس سنوات منذ مشاركة بعد الموقعة للمخرج يسري نصرالله الذي تم ترشيحه ليُمثل مصر بمسابقة الأوسكار، لكني سوف أؤجل الكتابة عنه حتى إعلان الجوائز، لأنه ضمن مسابقة الأفلام الروائية التي سوف نمنحها أنا والزميلان رامي المتولي ومروة أبوعيشة جائزة سمير فريد المقدمة من جمعية نقاد السينما المصريين.

إعلان

إعلان

إعلان