الواد محروس بتاع كل مسؤول!

الواد محروس بتاع كل مسؤول!

د. أحمد عمر
07:00 م الأحد 03 يونيو 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تساؤلات كثيرة دارت بعقلي بعد الكشف عن قضية الفساد الأخيرة في وزارة التموين، لعل أبرزها: لماذا رغم كل الإجراءات التي اتخذتها الدولة في السنوات الأخيرة لمحاربة الفساد، والقضايا الكثيرة التي كشفت عنها هيئة الرقابة الإدارية، نجد بعض القيادات لا تزال تقع في فخ الفساد؟

وهل تلك القيادات - التي تجاوز عمر أغلبهم الخمسين عاماً- فاسدة بطبيعتها ومنذ زمن سابق، أم فسدت في هذه المرحلة من حياتها، بعد أن أصبحت في تلك المواقع القيادية؟

وفي محاولتي للإجابة عن تلك التساؤلات، قررت استبعاد فرضية أن يكون هؤلاء فاسدين من البداية، وأنهم نجحوا في إخفاء مظاهر فسادهم، وخداع الأجهزة المنوط بها التحري عنهم، وإعداد تقارير صلاحيتهم لتولي هذه المناصب، رغم وجود بعض الاستثناءات في بعض الحالات المقبوض عليها تناقض تلك الفرضية.

وقد انتهيت بعد ذلك إلى أن فساد أغلبهم، هو متغير جديد ظهر عليهم بعد توليهم المناصب القيادية وامتلاك سلطة كبيرة أفقدتهم صوابهم ببريقها ونفوذها وقدراتها. وربما كان الاستعداد للفساد موجوداً في شخصيتهم منذ فترة طويلة، ولكن منعهم عن الوقوع في الفساد أنهم كانوا أقل شجاعة وأكثر خوفاً من العقاب والفضيحة، كما كانوا يملكون بعض إرادة المقاومة والقدرة على الانضباط الأخلاقي.

ولهذا فإن الفساد الطارئ على سلوك تلك القيادات التي تم القبض عليهم مؤخراً، قد نتج في رأيي الشخصي عن عوامل ذاتية جديدة، وعامل خارجي، مع ضرورة إدراك أن العوامل الذاتية لا يمكن تفعيلها بدون وجود العامل الخارجي الذي يقوم بدور المُحفز أو المُنشط لاستعدادات الفساد عند المسؤول.

ومن أبرز العوامل الذاتية المسببة للفساد، شعور المسؤول بأنه أقل مادياً من بعض الذين يتعاملون معهم، ويتمنون رضاه وخدمته. وأنه يمتلك الجاه والسلطة، دون امتلاك الثروة التي تضمن له ولأسرته حياة مرفهة، تناسب موقعه الوظيفي، وبخاصة بعد خروجه من الخدمة وترك المنصب، على الرغم أنه أفضل من حيث دخله الحلال من غيره بكثير.

ومنها أيضاً الشعور المغلوط والخادع بخيبة الأمل، بعد مرور العمر في العمل من أجل حياة مهنية ناجحة، ورعاية الأسرة والأولاد، دون أن يعيش الحياة ويستمتع بمباهجها ولذاتها؛ ولهذا فعليه أن يغترف وهو في السلطة أو الوظيفة الكبيرة من كل متع الحياة فبل فوت الأوان، ولا متعة بدون مال وثروة ضخمة؛ وبالتالي يجب الحصول على المال لتعويض ما فات وضمان المستقبل.

وفي هذه اللحظة الدرامية التي يدور فيها صراع نفسي داخل المسؤول، يظهر العامل الخارجي الذي يقوم باللعب على عقد المسؤول الشخصية ومركبات نقصه واحتياجاته الخاصة والعائلية، ومساعدته على انتهاز الفرصة، والاستهانة بالمخاطر والتبعات التي تترتب على سلوك هذا الطريق، وإغوائه المستمر بالمنافع والمكاسب التي سوف تعود عليه منه، وهذا العامل الخارجي يمكن أن نطلق عليه اسم: "الواد محروس بتاع كل مسؤول".

والواد محروس بتاع كل مسؤول نموذج لا تخلو منه مؤسسة أو مصلحة حكومية في مصر، وقد جسد شخصيته ببراعة الفنان عادل إمام في فيلم حمل عنوان "الواد محروس بتاع الوزير"، عن قصة وسيناريو وحوار الأستاذ محمد صلاح الزهار.

وهو شخص ناعم، مبتسم دائماً، يجيد الكلام الحلو وإسماع كل مسؤول ما يريد سماعه، ولسان حاله ومقاله دائماً: "أحلام سيادتك أوامر". وهو أيضاً إنسان فهلوي بامتياز، يُجيد اللعب على كل الحبال، ولا غاية له إلا المكسب والربح والقرب من أصحاب النفوذ والسلطة، وتسخيرهم لتحقيق أهدافه.

والواد محروس بتاع كل مسؤول لا يملك في الحقيقة مهارات مهنية ولا موهبة سوى براعته في ممارسة سلوك "الشمشرجية"، واستعداده لتقديم كافة الخدمات "للسيد الكبير" بما فيها الخدمات التي لا يمكن لإنسان سَوِيٍ من الناحية الأخلاقية أن يقوم بها؛ فهو أراجوز للترفيه، وصبي خدمة في القعدات الحلوة، وقواد إن لزم الأمر، ومشهلاتي ووسيط وسمسار على استعداد لبيع وشراء كل شيء، وتيسير مقابلات وتعاملات الزبون والمشتري، ولهذا فهو بؤرة فساد في كل مؤسسة، وكل سياق يوجد به.

وبناء عليه فإن آفة وعلة الفساد في بلادنا ومؤسساتنا، هي الواد محروس بتاع كل مسؤول. وإذا كانت أكثر آليات محاربة الفساد فاعلية ألا نسمح لشخص فاسد أو غير كفء بتولي مناصب قيادية في مؤسسات الدولة، فإن الآلية التي لا تقل عنها أهمية ألا نسمع بوجود "الواد محروس" بجانب أي مسؤول، لأنه جرثومة إفساد قادرة على تفعيل الاستعداد الكامن" للفساد عند أي مسؤول.

كما أن وجود الواد محروس بتاع كل مسؤول إلى جانب المسؤول، وبما يملكه من مهارته وألاعيب وعلاقات خفية، قد يفتح الباب له، لأن يصبح هو ذاته مسؤولًا، كما حدث في فترات سابقة، وأدى إلى خراب المؤسسات وفقدانها لقيمتها ودورها، وضياع حقوق ومصالح العباد والبلاد.

إعلان

إعلان