أبعد من الحب

أبعد من الحب

ياسر الزيات
07:00 م الأربعاء 14 فبراير 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لا يمكنك حصر الكلمات التي تعبر عن الحب بمراحله ودرجاته وأشكاله المختلفة في اللغة العربية، لكنني أختار "المحبة" من بين كل هذه الكلمات، لتكون كلمتي الأثيرة، الأكثر عمقا بالنسبة لي، والأكثر شمولا، والأكثر دقة وصفاء كذلك. أختار المحبة، لأن المحبة ليست كلمة مفردة بقدر ما هي فعل فيه من الحركة ما يمنح حياة حقيقية للمعنى الذي أريد.

وللمحبة صوت ليس كأصوات الكلمات الأخرى المعبرة عن الحب، حتى إذا قارنتها صوتيا أدركت ما فيها من ثراء ورقة وخفة وعمق. وإذا جربت أن تنطق الكلمات المعبرة عن الحب، ستجد أغلبها- باستثناء المحبة- يذهب في اتجاه واحد بلا عودة، كأنه حب من طرف واحد، وهو الحب الغالب في أكثر التراث العربي، شعره ونثره.

قل: "حب"، واملأ فمك بالكلمة، تجد أن أولها صوت حلقي مبحوح مضموم، وآخرها يصب عند الشفتين، مغلقا إياهما بسكون لا يعبر عن السكينة بقدر ما يعبر عن الصمت. أما المحبة فهي مقطعان صوتيان يلتقيان عند تشديد الباء، ويعود كل منهما إلى حيث أتى لتصبح الكلمة دائرة تتسع كلما نطقتها، فتشمل المحب والمحبوب، وتعيد كليهما إلى الآخر، وتعطيهما القدرة على تبادل الأدوار، فالمحب والمحبوب واحد، لكنهما اثنان، ولا فضل لأحدهما في المحبة على الآخر، لا بالكمال ولا بالنقصان.

تشبه "المحبة" رقصة التانجو، التي لا تستطيع أن ترقصها وحدك، ولا تستطيع أن ترقصها مع شريك لا يتبادل جسداكما الإيقاع نفسه والكيمياء نفسها والرغبة نفسها في أن يحل أحدكما في الآخر تحت غطاء الموسيقى. المحبة تخلع رداء الاسم لتكون فعلا، لكنها لا تقف عند المثنى، بل تمتد إلى أن تصبح قانونا كونيا، بإمكانك أن ترى تجلياته الفيزيائية في حركات الكون وسكونه. تلك الجاذبية التي تحكم الكون هي فعل محبة، فليس بين النجوم وكواكبها إلا المحبة، وليس بين الكواكب وأقمارها إلا المحبة، وما من نجم يربط كواكبه إليه ليدور حوله، ولا من كوكب يفعل ذلك مع قمره، إن هي إلا المشيئة الذاتية التي تجتذب كل وحدة كونية إلى الأخرى، وتربطها إليها برباط الجاذبية، فتراها تمارس تلك الرقصة الكونية بلا نهاية، رقصة المحبة.

يدرك المتصوفة ذلك المعنى الأبعد من الحب في كلمة المحبة، فتراها غالبة في أدبياتهم على المعاني الأخرى للحب، حتى إذا أكثروا من استخدام مفردات كـ"الهيام" أو "الغرام"، أو "العشق"، لأن هذه المفردات، بالنسبة لهم، ليست إلا موجات في بحر المحبة تروح وتجيء، فيتزن معها إيقاع الروح، ويصفو.

وليس للمتصوف إلا طريق واحد هو المحبة، وهي طريق بلا وصول، لأن الطريق هو الهدف ذاته. فالمحبة هي الطريق وهي الهدف، تماما كما تفعل وحدات الكون في دورانها وانجذابها إلى ذواتها، في فعل أبدي يشبه رقصة بلا انتهاء.

أنت بالحب تحب شخصا، لكنك بالمحبة تحب الكائنات كلها، وتصنع كونك المتناغم، وبها قد تصل إلى السكينة والسلام.

إعلان

إعلان