• "يا ناس يا شر كفاية قر"

    "يا ناس يا شر كفاية قر"

    د. براءة جاسم
    09:00 م السبت 27 أكتوبر 2018

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    يُقال إنَّ بعضَ مدارسِ علم النفسِ- ومنها مدرسة فرويد- تُشيرُ إلى أن مشاعرَ الحسدِ والغَيْرةِ- أو كما نقول "النفسنة"- هي بدايةُ فهمِنا وتعرُّفِنا على مفهومِ العدل، وإنَّها تقودُنا إلى البحثِ عن المساواة، وإن هذه المشاعرَ تخلقُ تنافسًا، وبالتالي تؤدّي إلى التطورِ والتغيير كما ذكرَ "ريتشارد سميث".

    وبطبيعة الحال لا يوجدُ شخصٌ لمْ يعرفِ الحسدُ والغيرةُ طريقًا إلى قلبه، لكنّ الاختلاف بين شخصٍ وآخر يكمُنُ في تعامُله مع هذه المشاعر وكيفيةِ توجيهِها لسلوكه.

    ويمكنُ تقسيمُ الحسدِ إلى نوعيْن: خبيثٍ وحميد، فالخبيثُ هو تمنِّي زوالِ نعمةِ المحسود، وفرحُ الحاسدِ بأي سوءٍ أو فشلٍ يتعرَّضُ له المحسودُ، بل أن يتمنّى له دوامَ السوء.

    أمّا "الحسدُ الحميد" أو بالأحرى "الغبطة"، فصاحبه لا يتمنَّى أن يتعرضَ المحسودُ لأيّ سوءٍ ولا يكنُّ له أيَّ مشاعرِ كُرهٍ أو حقد، بل إنَّ غيرته لا تتعدّى تمنّى أن يرزقَ ما يراه فيمن يغبطَه دون سوءٍ أو ضررٍ لأحد.

    وهناك تقريبًا ثلاثةُ شروطٍ يجبُ أن تتحقَّق معًا حتى نتمكنَ من وصفِ شعورٍ ما بأنَّه حسد: أولًا- أن تلتقِيَ بشخصٍ يتميَّزُ عنكَ بشيءٍ ما، كنجاحٍ وصل إليه، أو منصبٍ معين، أو شيءٍ ما تحصَّل عليه إلخ.

    ثانيا- أن تتمنَّى زوالَ هذه النعمةِ أو هذا التميّزِ عن صاحبه، وأن تحصلَ أنتَ عليه بدلًا منه. ثالثا- أن تتسبَّبَ مشاعرُ الحسدِ والغيرةِ في ألمٍ نفسيٍّ لصاحبِها، وهذا الألمُ ناجمٌ عن رغبةِ الحاسدِ في الحصولِ على المزايا التي يمتلكُها الآخر، فضلًا عن إحساسِه بالدونيَّةِ والإحباطِ وهذا إحساس ينُمُّ عن خللٍ مَّا في نفسِه.

    وقدْ أظهرَتِ الدراساتُ أنَّ هذا الألمَ والمرارةَ الناتجةَ عن تلك المشاعرِ تؤدّي إلى مشاكلَ صحيةٍ نفسيّةٍ وجسديّةٍ كثيرة، مشاكلَ نفسيّةٍ مثل: الاكتئاب، والقلق المزمن، ومشاكلَ جسديةٍ كالالتهابات وأمراضِ القلبِ والأوعيةِ الدموية... إلخ.

    كما كشفتْ دراساتٌ أجريَتْ في عام ٢٠٠٩، قام فيها باحثون بإجراء مسحٍ ضوئي للمخ Brain scan للأشخاصِ الذين يحسدونَ غيرهم أو يغارونَ من نجاحاتهم، عن أنَّ المراكزَ المسؤولةَ عن الألمِ في المخ تثارُ ويُسجّلُ الشعورُ بالحسد كألمٍ جسديّ.

    وهذا الألمُ وهذه المشاعرُ تدفعُ الحاسدَ إلى التقليلِ من الآخر، كأنْ يتَّهمَ مَن يحسدُهُ بأنه مجرّد نصابٍ أو لصٍّ أو محظوظٍ لم يبذلْ مجهودًا يستحقُّ به ما حصلَ عليه.

    الحسدُ والغَيْرةُ من الآخرين وتمني زوالِ نعمتِهم مستنقعٌ مليءٌ بالقُبح والشر، يستنزفُ طاقةَ وصحةَ من يعاني منهما.

    إذا شعرتَ بالحسدِ أو الغيرةِ من أحدِهِم، فالأولى بكَ أن تستغلَّ هذا الشعور كفرصةٍ للتعرّفِ على خبايا نفسِكَ بشكلٍ أدق، ثمَّ تبحثَ من خلال ذلك عن سبيلٍ لتطويرِ ذاتِكَ والوصولِ إلى ما تتمناه، وبذلك تكونُ قد وظَّفت هذه الطاقةَ في سلوكٍ إيجابيٍّ، بدلًا من استنزافها سلبيًّا بشكلٍ يهدم.

    إعلان

    إعلان

    إعلان