الذهب الأبيض.. الذي ذهب!

الذهب الأبيض.. الذي ذهب!

د. ياسر ثابت
07:47 م الثلاثاء 23 أكتوبر 2018

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كلما ظهرت حلقة جديدة من مسلسل تدهور مكانة القطن في مصر، اهتز القلب ألمـًا لهذه الخسارة الفادحة.

خسارة تنطلق من تلك الروابط التاريخية الوطيدة بين القطن والاقتصاد المصري عبر نحو مائتي عام.

مع سياسة الانفتاح الاقتصادي وتوابعها من الخصخصة إلى بيع القطاع العام، بدأت رحلة التراجع في زراعة القطن في مصر.

بدأت هذه الرحلة بسياسة التعدي على الأراضي الزراعية من أجل المباني والعقارات. ويكشف تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات حول ظاهرة التعدي على أراضي الدولة الخاضعة لولاية الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية، عن أن جملة مساحات الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بلغت 3.5 مليون فدان، منها 702 ألف فدان تم تقنينها بالمخالفة للقوانين.

طبقـًا لتقديرات وزارة الزراعة في أواخر عام 2014، تصل مستحقات الدولة مقابل تقنين أوضاع المخالفين بالطرق الصحراوية، لأكثر من 80 مليار جنيه، إضافة إلى مخالفات التعديات على أراضي الدولة في عدد من المناطق بالصحراء الغربية والمشروعات بقيمة تتجاوز 70 مليار جنيه.

حسب الحصر الذي اعتمدته وزارة الزراعة حول مخالفات تقنين أوضاع اليد، فإن مساحات الأراضي المخالفة تصل إلى نحو 2.9 مليون فدان، إضافة إلى تورط 650 شركة و350 رجل أعمال في مخالفات الاستيلاء على أراضي الدولة في 30 منطقة، بمختلف المناطق الصحراوية، دون إثبات الجدية في أعمال الاستصلاح أو سداد مستحقات الدولة، مقابل تقنين الأوضاع.

وكشف التقرير الذي أعدته هيئة التعمير والتنمية الزراعية، عن أن أهم المناطق التي تم التعدي عليها هي "وادي النطرون" في البحيرة، ومطروح وبرج العرب وطريقا مصر - الإسماعيلية والإسكندرية الصحراويان، وطريقا الصعيد الغربي والشرقي، ومحافظة الوادي الجديد وشرق ووسط الدلتا والخطاطبة، وسيناء.

وذكر التقرير أن شركة واحدة استولت على 280 ألف فدان في أربع مناطق متفرقة، في حين استولت 3 شركات كبرى على 300 ألف فدان في العلمين والوادي الجديد وطريقي مصر- الإسماعيلية والإسكندرية الصحراويين، ومن بينها شركات تابعة للقطاع الحكومي، وأخرى تعمل في الاستثمار العقاري وتشييد المنتجعات السياحية والسكنية، على الرغم من أن هذه الأراضي كانت مخصصة لأغراض الزراعة طبقـًا لخطة الدولة في مجال التوسّع الزراعي.

خسرت مصر في ثلاثة عقود (1980- 2010) ملايين الأفدنة من أجود الأراضي الزراعية التي تحولت إلى مبانٍ ومنتجعات وفيلات وبحيرات ترفيهية تدر على المُلاك والمستثمرين أرباحـًا طائلة، في عدوان سافر على الأرض الزراعية أطلق رصاصة الرحمة على محصول القطن.

وفي عام 1989- 1990 كانت مساحة الأراضي المزروعة بالقطن مليون فدان، انخفضت إلى 550 ألف فدان في موسم 2002- 2003 وكان إنتاج مصر من الأقطان في ثمانينيات القرن العشرين يتراوح بين 7 و8 ملايين قنطار سنويـًا، انخفضت إلى 4.5 مليون قنطار في عام 2003.

وفي صيف عام 2015، زاد من اشتعال أزمة القطن، ظهور انقسامات كانت غير معلنة داخل المؤسسة الواحدة حول السياسات الحكومية إزاء "الذهب الأبيض" وقرار رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، وقف قرار حظر استيراد القطن، فقد أصر وزير الزارعة على الحظر إلى أن يتم تصريف الإنتاج المحلي الجديد و(الفضلة)، ورأينا رئيس شعبة تجار القطن باتحاد الغرف التجارية يؤيد قرار وزير الزراعة بشدة، في حين ذهب أحمد الوكيل- رئيس الاتحاد- إلى أبعد مدى في رفضه، مؤكدًا أنه كارثي.

واختلف وزيرا الصناعة والزراعة، وانقسم منتجو النسيج والملابس في القطاعين الحكومي والخاص، واشتبك المصدرون مع المستوردين، وتصاعد غضب الفلاحين المعبرة عنهم قيادات اتحادهم التعاوني، رافضين إلغاء قرار حظر استيراد القطن.

القطن الآن في محنة، وعلينا أن نبحث عن حلول حقيقية وعملية؛ من أجل إنقاذ محصول القطن والصناعات القائمة عليه، قبل أن يستمر مسلسل نزيف الزراعة والصناعة في مصر.

إعلان

إعلان

إعلان