• سامحيني يا أمي

    علاء الغطريفي

    سامحيني يا أمي

    علاء الغطريفي
    04:12 م الخميس 25 مايو 2017

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    "ربنا ينجح لك المقاصد".. كانت دعوة تنفتح لها السماوات وتتزلزل الأرض، وتزيح العقبات من فرط الصدق، هكذا شعرت دوما، تقولها أمى فأسير فى هديها مختالا، فماذا يضرك إذا صحبك ذلك الرضا من قلب يوزع عطاياه بلامقابل؟ دعاء ورعاية وبذل ومسؤولية وخوف وحرص يغلفه يقينٌ بأن هناك راعيًا واحدًا أحدًا يتقبل تلك الكلمات الصادرة من سيدة لم تعرف في حياتها سوى الإيثار.

    تنهرني، فقد كنت منشغلًا بجمع وريقات الصحف فبدلًا من أن نستخدمها فى أغراض الحياة حولتها بشغف البواكير إلى أرشيف خاص تمكن مني بفعل الولع بالتاريخ الذي غرسته حكاياتها فى المساء حول موقدٍ أو قبل النوم، فصارت الوريقات تاريخًا خاصًا بجانب الكتب، أُطل منه على الماضى القريب والبعيد.

    أتذكر قصص أجدادها والحكايات عن ذلك الساحر المغربى الذى جال الصعيد وأنبأها بتربيتها لأيتام وكذلك رحلات "الدهبية" أي السفينة لذلك الباشا الجنوبى الذى كان ينتمى الى عائلة أمها، والخدم طيبي القلب ذوي البشرة السمراء الذين كانوا يملأون تلك البيوت التى استقرت فى النخيلة جنوب أسيوط، ومشانق الأغوات (الأسرى الذين يتم خصيهم وتشغيلهم في قصور الحكام) في صعيد مصر، وغيرها مما أنبت خيالا لم ينقطع.

    كانت لنا أبًا وأمًا منذ أن رحل السند فى منتصف الثمانينيات، فلم نشعر يومًا بالأزمات، كانت تملأ نفوسنا يقينًا بأن كل شىء على ما يرام، وأن النوائب لن تنال من عزائمنا مع ثقة فى رب السماء لم تكن تواكلًا بل اتكالًا وأخذًا بالأسباب، كانت وزيرا للمالية أو قل محافظًا للبنك المركزي، فإدارة حياة ستة أبناء فى مراحل التعليم المختلفة بعد رحيل الأب ليست بالهينة ولا السهلة، لم يمل الميزان ولم تختل الميزانية فلم يكن هناك سواها، كانت مركزًا للكون أو قل دار الكون حولها فى أعين الصغار الذين تعلقوا فى رقبتها.

    لم نعرف معنى البهجة سوى من عينيها، فنظرة الرضا إذا حقق أحدنا شيئا كانت كفيلة بأن تجعل أعناقنا تطاول السماء، لم تطلب شيئا لنفسها، كانت فقط منبعًا للعطاء بلاحدود وبدون حساب، نبعًا يفيض بالخير ومعه الرضا والقناعة والإيمان.

    حتى لحظات الضعف الإنساني إزاء مصائب الحياة حولتها إلى إعلان صريح لمواجهة الواقع، ابنة توفت فى ريعان شبابها سرقها المرض الخبيث من أطفالها، فوجدنا معها معنى "صبرًا جميلًا" كما وصف كتاب الله العزيز، دموعها التى تنساب حزنًا على فراق شقيقتى تغرقنا فى دوامة الألم، فتسبقنا هى إلى قراءة القرآن حتى تلتئم الجروح التى صنعها الرحيل قبل سنوات ومعها عبرات عن فراق شقيقي الذى مات طفلًا في حادث.

    أمي.. أشعر بالذنب فقد شغلتني عنك الحياة، اعترف كما يفعل خاطئٌ فى حضرة شيخه، لن أنتظر كتاب القدر لأكتب عنك أو إليك، ولذا أبعث إليك بكلمات مليئة بمعاني الانكسار أمام عطائك، فهذه الدنيا اختطفتنى من قربك فباعدت بينى وبينك المسافات وصرت مشدودًا بجسدي إلى تلك المدينة "القاهرة" أما روحي فهي هناك "في الجنوب" معك، ومعها عرفاني بما فعلت من أجلي ومن أجل أشقائي، أعتذر إليك لأن لحظاتى بقربك لم تكن كما رغبت دومًا، فتلك المهنة التي اخترتها واختارتني غيبتني عن أشياء كثيرة، تقبلي اعتذاري وامنحيني عمرًا جديدًا أمحو فيها خطيئة بعدي.. سامحيني يا أمي.

    إعلان

    إعلان

    إعلان