بلال فضل.. دماغه كده!

بلال فضل.. دماغه كده!

خيري حسن
09:00 م السبت 16 ديسمبر 2017

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كانت سماء القاهرة محاطة بسحابات شتوية، متفرقة، تنذر بسقوط أمطار.. والشوارع بها حالة تفاؤل واضحة على وجوه المارة الذين يتحركون غالباً باتجاه ميدان التحرير، الذي كان- وقتها- هو المقر والمستقر لما عرف بثورة 25 يناير المجيدة 2011، وكنت أنا أترجل فوق كوبري قصر النيل وفى يدي عدة صحف، ورواية ثروت أباظة «شيء من الخوف»، في طريقي إلى وسط البلد. رنّ الهاتف على شاشته يُظهر اسم «بلال فضل»، رديت: صباح الخير يا أستاذ. سألني بعدما رد التحية قائلا: غداً.. سنلتقي على مقهى «فيني» فى شارع قصر العيني. الساعة الواحدة ظهراً، أرجو أن تبلغ شريف عبدالمجيد «الكاتب».. وحلمي عبدالمجيد «المخرج»، وأنا سأتولى إبلاغ عمنا شعبان يوسف «الناقد»، ثم ضحك وهو يغلق الخط بيننا. بعدما قال: «خلّي بالك الفطار على حسابك بكرة»، ثم انتهت المكالمة!

في اليوم التالي، التقينا كفريق عمل برنامج «عصير الكتب» الذي كان يقدمه بلال على شاشة «دريم» وهو- باعتراف المثقف والجاهل- يُعد أحد أهم البرامج التليفزيونية وليس الثقافية فقط، في الـ20 عاماً الماضية، وجاء توقفه عن العرض بسبب انشغال «بلال» ومساندته وإيمانه الراسخ بعظمة وعبقرية ثورة 25 يناير، التي كان يعتقد- وأظنه لايزال- أنها نقطة الفلاح والصلاح والإصلاح في المجتمع المصري نحو الحرية والعدالة والمساواة والديمقراطية.

كان بلال- كمثقف تنويري- قد لمع اسمه في السنوات التي مهدت للثورة بكتاباته الصحفية والسياسية والثقافية.. وما إن بدأت فعاليات الثورة، ومقدماتها واندلاعها المباغت، إلا وتفرغ تماماً لها وأهمل كل شيء، بما في ذلك البرنامج، وكانت وجهة نظره، فيما أظن، أن الذي يسعى البرنامج لتحقيقه في المجتمع، قد وقع بالفعل، وأن الثورة اندلعت وستغير وجه الوطن والتاريخ!

جلسنا على المقهى، وتجمع الزملاء كفريق العمل، وتحدثنا عن حلم الثورة الذي مازال يرقص في الميادين، على أنغام وأنين وحناجر المتظاهرين الذين كانوا حتى هذه اللحظة يعيشون في الحلم، جاء القهوجي بالشاي والقهوة.. وجئت أنا وشريف بسندوتشات الفول والطعمية من المطعم المجاور، وجاء بلال لنا ببشرة خير يقول لنا فيها إن مؤسسة «المصري اليوم» ستقوم بإنتاج «عصير الكتب» كإنتاج خاص، وسيتم بيعه للمحطات الفضائية. أثناء ذلك اللقاء، بدأت أتابع على فترات متباعدة، بعض المارة الذين كانوا يمرون بالقرب من المقهى، وما أن يلمحوا وجود بلال بيننا، إلا ويقبلون عليه في سعادة وفرح، ويسلّمون عليه في حفاوة بالغة، ثم يقولون له وهم يمسكون بأيديهم أجهزة الموبايل «ممكن نتصور جنبك يا أستاذ؟!» فينهض واقفاّ، بجوارهم سعيداً، خجولاً، مبتسماً، حتى ينتهي كل شخص فيهم من التقاط الصورة.

بعد ما يقرب من ساعة انتهى اللقاء، وغادر الجميع، وطلب منى بلال أن أذهب في اليوم التالي إلى «المصري اليوم» للمشاركة نيابة عنه في توزيع مجموعة من الجوائز، كانت الصحيفة قد رصدتها لقراء البرنامج، ومقدارها 20 ألف جنيه، وبالفعل ذهبت. انتظرت مجدي الجلاد رئيس التحريرـ وقتهاـ حتى ينتهي من «تقفيل» العدد، ثم لحق بنا في قاعة صغيرة، كانت تمتلئ بالقراء- أو المشاهدين- الذين جاءوا من قرى مصر، ليحصل كل منهم على ألف جنيه من "المصري اليوم" مكافأة له على تلخيصه لكتاب في حدود 20 سطراً كمسابقة طرحها البرنامج، على مدار عدة حلقات، حسب الاتفاق الذي أُبرم بين «الجلاد» و«بلال».

قبل توزيع الجوائز، جلست مع هؤلاء القراء، فوجدت بينهم أمهات وربات بيوت، وأطباء ومهندسين وأصحاب مهن بسيطة، وأغلبهم من الأقاليم، كل قارئ فيهم بدأ يحكى لي عن حبه وعشقه للقراءة، وأن الكتاب غيّر حياته، وأنهم جميعاً في حالة حزن بسبب توقف البرنامج، وطلبوا منى أن أنقل ذلك إلى بلال فضل.. حتى يعرف أن «الكتاب» أهم من «الثورة»!

وقد فعلت ذلك بالفعل.

ودارت الأيام دورتها وتوقف البرنامج نهائيا، والثورة تعطلت هي الأخرى وتحولت من «حلم» إلى «وهم». وابتعد «بلال فضل» عن المشهد السياسي والثقافي والصحفي بعد حملة شرسة وممنهجة طالته وشككت في وطنيته واتهمته بالعمالة والخيانة، وإهدار مقدرات الوطن والعبث بأمنه واستقراره وتهديد بحاره ورماله ومحيطاته، وتدمير البنية التحتية للنسيج الوطني، واستمرت مثل هذه التخاريف والخزعبلات من بعض الأقلام الصغيرة التافهة تهاجمه وبشراسة مفرطة، وهو وقتها قرر عدم الرد.

وقتها انقطعت اتصالاتنا بعض الوقت إلى أن أجريت معه اتصالاً تليفونياً قبل ثلاث سنوات أكد لي فيه أنه- عملاً بنصيحة الراحل أستاذنا محمود عوض- سيكتفي فقط بالعمل الثقافي، وأنه سيبتعد عن العمل السياسي والعام، بعدما تسمم المناخ العام، وأصبح فاسداً على كافة الأصعدة.

أغلقت الهاتف وجلست أفكر في تركيبة بلال فضل (المثقف والإنسان) فوجدتها تشبه إلى حد كبير تركيبة الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين، وما جعلني أصل إلى هذه النتيجة هو ما كتبه بهاء الدين عن نفسه في كتابه «حواراتي مع السادات» عندما وجد نفسه ذات يوم متهماً أمام الرئيس جمال عبد الناصر بأنه ضد الثورة، وضد الوطن، وأنه من الأقلام الرجعية التي ترفض نظام عبدالناصر، ويقف أمام نهضة الأمة العربية وتقدمها، لكن عبدالناصر عندما نقل له هذا الاتهام جلس يضحك ويقول لمن جاء له بهذه الوشاية: «بهاء الدين ليس ضدنا.. لكن هو دماغه كده»! وأنا عندما أنظر إلى بلال فضل أجده من أفضل أبناء جيله موهبة، وأخلصهم حباً للوطن، وأصدقهم قولاً وفعلاً، غير أنه يشبه إلى حد كبير الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين..وأنه «دماغه كده»!

 

إعلان

إعلان