أخضع "مصراوي" أداة الذكاء الاصطناعي "كرنك شات"- الذي أطلقته وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات قبل شهر- لاختبار من 10 أسئلة اقتصادية، لا تستهدف قياس قدرته على استدعاء المعلومات أو تعريف المصطلحات، وإنما اختبار قدرته على التفكير والتحليل الاقتصادي والتعامل مع الأرقام واستخلاص النتائج من البيانات دون تجاوزها.
وتنوعت الأسئلة بين التضخم وارتفاع الأسعار وسعر الصرف والصادرات وبيع أصول الدولة وسداد الدين العام والناتج المحلي الحقيقي والاسمي وتأثير الأسعار العالمية على السوق المحلية ورفع سعر الخبز المدعم وصولًا إلى قراءة مؤشرات الاقتصاد المصري والحكم على مدى انعكاس التحسن في المؤشرات الكلية على حياة المواطنين.
بعد تقييم كل سؤال على حدة، حصل "كرنك شات" على 76 من 100، في تقييم "مصراوي"، لكن النتيجة الأهم لم تكن الرقم ذاته، وإنما ما كشفه الاختبار عن طبيعة نقاط قوة النموذج ومواطن ضعفه.
في أغسطس الماضي أعلنت وزارة الاتصالات الإطلاق التجريبي لـ"كرنك تشات"، وهو نظام محادثة ذكي مبني على نموذج "كرنك" اللغوي الكبير (LLM)، الذي طُوّر بخبرات وعقول مصرية في مركز الابتكار التطبيقي التابع للوزارة.
الاختبار الأول.. هل انخفاض التضخم يعني انخفاض الأسعار؟
جاءت إجابته صحيحة في جوهرها؛ إذ أوضح أن انخفاض التضخم يعني تباطؤ معدل ارتفاع الأسعار، وليس تراجع الأسعار نفسها. واستخدم النموذج مثالًا افتراضيًا لسلة سلع تبلغ قيمتها 1000 جنيه، ترتفع إلى 1100 جنيه مع تضخم 10%، ثم إلى 1155 جنيهًا عندما يتباطأ التضخم في العام التالي إلى 5%.
التقييم: 9/10
أصاب "كرنك شات" في التفريق بين مفهومين يختلطان كثيرًا في النقاش العام: انخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، وكان المثال الرقمي مناسبًا لتوضيح الفكرة.
لكن كان يمكن للإجابة أن تكون أكثر دقة بالإشارة إلى أن بعض الأسعار الفردية قد تنخفض حتى مع بقاء معدل التضخم العام موجبًا، لأن التضخم يقيس تغير المستوى العام للأسعار وليس حركة كل سلعة منفردة.
الاختبار الثاني.. هل انخفاض قيمة الجنيه يدعم الصادرات تلقائيًا؟
هنا رفض "كرنك شات" القفز مباشرة إلى علاقة سببية، وأوضح أن ارتفاع الصادرات قد يرتبط بعوامل أخرى، مثل زيادة الطاقة الإنتاجية وتحسن جودة المنتجات واللوجستيات واتفاقيات التجارة وتكاليف المدخلات والاستقرار الاقتصادي.
التقييم: 8/10
وهذه واحدة من النقاط الجيدة في الاختبار، لأن النموذج أدرك أن التزامن بين حدثين لا يثبت أن أحدهما تسبب في الآخر، فانخفاض قيمة العملة قد يجعل الصادرات أكثر تنافسية سعريًا، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن الزيادة في الصادرات نتجت عنه.
وكان يمكن تعزيز الإجابة بالحديث عن نسبة المكون المستورد في الإنتاج ومرونة الطلب على الصادرات وأثر سعر الصرف على تكاليف الإنتاج وفترة انتقال أثر التعويم إلى التجارة الخارجية، كما أن بعض الإشارات التي قدمها النموذج إلى الوضع المصري جاءت بصورة عامة ولم تكن مرتبطة مباشرة ببيانات تثبتها.
الاختبار الثالث.. هل بيع أصول الدولة يحسن المالية العامة تلقائيًا؟
أجاب بالنفي، موضحًا أن المسألة تتوقف على طبيعة الأصل المباع وقيمة البيع وكيفية استخدام الحصيلة وتأثير العملية على قدرة الدولة المستقبلية على التمويل، وغيرها من العوامل.
التقييم: 7/10
الإجابة أصابت الفكرة الأساسية: انخفاض رصيد الدين لا يعني تلقائيًا تحسن الوضع المالي أو الماليّة العامة من جميع الجوانب. لكنها لم تميز بالقدر الكافي بين مفاهيم مختلفة جوهريًا: رصيد الدين العام، والعجز السنوي، والعجز الأولي، ومدفوعات الفوائد، وصافي ثروة الدولة.
فبيع أصل وسداد أصل الدين قد يخفض رصيد الدين، لكنه لا يعالج بالضرورة العجز الهيكلي في الموازنة، كما أن بيع أصل منتج قد يحرم الدولة من تدفقات دخل مستقبلية. وفي المقابل، قد يكون بيع أصل وإعادة توظيف حصيلته في خفض دين مرتفع التكلفة قرارًا اقتصاديًا منطقيًا إذا حسّن هيكل الميزانية.
الاختبار الرابع.. هل نمو الناتج الاسمي 20% مع تضخم 15% يعني نمو الاقتصاد الحقيقي 5%؟
أجاب "كرنك شات" بأن الناتج الاسمي يتأثر بالأسعار وأن الناتج الحقيقي يستبعد أثر تغير الأسعار، ثم أشار إلى أن النمو الحقيقي قد يكون قريبًا من 5%، مع التنبيه إلى أن الحساب الدقيق قد يختلف.
التقييم: 7/10
الإجابة صحيحة في المفهوم الأساسي، لكنها تحتوي على مشكلة منهجية مهمة. فإذا كان معدل الـ15% هو بالفعل مُخفض الناتج المحلي فإن النمو الحقيقي لا يُحسب ببساطة من خلال طرح 15% من 20%، وإنما:
1.20 ÷ 1.15 - 1 = نحو 4.35%.
والأهم أن استخدام معدل التضخم للمستهلكين بدلًا من مُخفض الناتج المحلي لا يسمح أصلًا باستخراج النمو الحقيقي للناتج بهذه الطريقة؛ لأن المؤشرين يقيسان أشياء مختلفة. فالنموذج عرف القاعدة العامة، لكنه لم يكن دقيقًا بما يكفي في تطبيقها.
الاختبار الخامس.. ماذا يحدث للسعر المحلي إذا انخفض السعر العالمي وتراجعت قيمة العملة؟
الإجابة دقيقة. افترض النموذج أن سعر السلعة العالمية 100 دولار، وسعر الدولار 20 جنيهًا، أي أن السعر المحلي يساوي 2000 جنيه.
بعد انخفاض السعر العالمي إلى 85 دولارًا، وارتفاع سعر الدولار إلى 24 جنيهًا، يصبح السعر المحلي:
85 × 24 = 2040 جنيهًا.
أي أن السعر المحلي ارتفع بنحو 2% رغم انخفاض السعر العالمي بنسبة 15%.
التقييم: 10/10
هذه كانت أقوى إجابات الاختبار، فالعملية الحسابية صحيحة، والمنطق الاقتصادي واضح، والنموذج لم يكتفِ بالقول إن انخفاض العملة «يعوض» انخفاض السعر العالمي، وإنما أثبت ذلك بالأرقام.
الاختبار السادس.. هل رفع سعر الخبز المدعم يخفض عجز الموازنة بالضرورة؟
أجاب "كرنك شات" بأن الأمر ليس تلقائيًا، وأن خفض الدعم قد يقلل الإنفاق الحكومي، لكن له آثارًا أخرى محتملة تتعلق بالتضخم والطلب والاستقرار الاجتماعي وتكاليف الإدارة، وغيرها.
التقييم: 6/10
أصاب النموذج في النقطة الأساسية: خفض بند من بنود الإنفاق لا يعني بالضرورة أن العجز سينخفض بنفس القيمة الصافية، لأن التغيير قد يصاحبه أثر على بنود أخرى في الموازنة أو على الإيرادات والنشاط الاقتصادي.
لكن بعض الروابط التي ذكرها كانت أضعف من الناحية الاقتصادية، خصوصًا عندما انتقل إلى آثار غير مباشرة دون تحديد آلية واضحة أو بيانات تدعمها.
كما أن السؤال كان يسمح بتحليل أكثر عمقًا، مثل التمييز بين الوفر المالي المباشر وبين تكلفة التعويضات الاجتماعية وأثر رفع السعر على التضخم الحقيقي ودخل الأسر ومدى قدرة إعادة توجيه الدعم على تحقيق وفر مستدام.
الاختبار السابع.. هل تحسن الاقتصاد المصري وصل إلى المواطن؟
قدم "كرنك شات" بعض مؤشرات سوق العمل والشمول المالي، لكنه قال عمليًا إن البيانات الحديثة المطلوبة بشأن بعض المؤشرات غير متاحة، ولم يقدم الصورة الرسمية المتكاملة التي طلبها السؤال.
التقييم: 4/10
هذه كانت أضعف إجابات الاختبار. المشكلة هنا ليست فقط في نقص بعض الأرقام، وإنما في أن السؤال كان يختبر قدرة النموذج على البحث عن البيانات الحديثة واستخدامها في بناء تحليل اقتصادي متكامل.
كما أن الاستشهاد بمؤشرات عامة لا يكفي للإجابة عن سؤال يتعلق بالقوة الشرائية ومستوى معيشة المواطنين، ما لم تُقرأ إلى جانب التضخم والأجور والنمو الحقيقي وغيرها. النموذج لم ينفذ المهمة المطلوبة بالكامل.
الاختبار الثامن.. الاقتصاد يتحسن، فلماذا قد لا يشعر المواطن بذلك؟
أجاب "كرنك شات" بأن تحسن المؤشرات الكلية لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة كل الأسر، مشيرًا إلى التضخم، وتوزيع ثمار النمو، واختلاف القطاعات والفئات المستفيدة.
التقييم: 9/10
الإجابة كانت قوية؛ لأنها لم تتعامل مع الاقتصاد كرقم واحد. فارتفاع الناتج أو الاستثمار أو انخفاض البطالة يمكن أن يتزامن مع ضعف القوة الشرائية إذا كان نمو الأسعار أسرع من نمو دخول الأسر، أو إذا تركزت ثمار النمو في قطاعات أو فئات محددة.
وكان يمكن إضافة مؤشر نصيب الفرد من الناتج والدخل الحقيقي للأسر لتصبح الإجابة أكثر اكتمالًا.
الاختبار التاسع.. هل تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على الاقتصاد؟
قال "كرنك شات" إن القوة الشرائية للأجور تتراجع وإن الفارق بين نمو الواردات والصادرات قد يعني اتساع العجز التجاري وإن انخفاض قيمة العملة مع النمو قد يعكس توجهًا لتحسين التجارة.
التقييم: 8/10
أصاب النموذج في الاستنتاج الأول من حيث الاتجاه: الأجور الاسمية تنمو بنسبة أقل من التضخم، وبالتالي تتراجع الأجور الحقيقية، لكن حتى هنا، فإن التراجع الدقيق ليس 5%، وإنما:
1.08 ÷ 1.13 - 1 = نحو 4.4%.
أما الاستنتاج الثاني فهو أكثر إشكالًا: لا يمكن القول إن العجز التجاري اتسع اعتمادًا على معدلات نمو الواردات والصادرات وحدها، فلو كانت الواردات في البداية أكبر بكثير من الصادرات، قد يتغير العجز بطريقة مختلفة عما توحي به معدلات النمو المجردة. نحتاج إلى القيم الابتدائية للصادرات والواردات حتى نحكم على العجز.
أما الاستنتاج الثالث، المتعلق بأن انخفاض العملة "يعكس سياسة" تستهدف تحسين التجارة، فهو يتجاوز ما تسمح به البيانات؛ فالأرقام تخبرنا بما حدث، لكنها لا تكشف وحدها نية صانع السياسة.
الاختبار العاشر.. هل انخفاض التضخم يعني أن الأسعار تنخفض؟
التقط النموذج الافتراض الخاطئ، وأوضح أن انخفاض التضخم لا يعني بالضرورة انخفاض المستوى العام للأسعار، وإنما يعني عادةً تباطؤ معدل ارتفاعها، وأن انخفاض المستوى العام للأسعار يرتبط بحالة الانكماش السعري.
التقييم: 8/10
الإجابة جيدة، خصوصًا أن النموذج لم يقع في الفخ الذي وضعناه داخل السؤال، بل اكتشف الافتراض الخاطئ وأعاد صياغته.
وكان يمكن فقط إضافة قدر أكبر من الدقة بشأن الفرق بين انخفاض أسعار بعض السلع وبين انخفاض المستوى العام للأسعار.
"مصراوي" يقيم "كرنك شات"
بعد تقييم الاختبارات، حصل "كرنك شات" على 76 من 100، فالنموذج كان قويًا في المفاهيم الاقتصادية الأساسية والحسابات المباشرة، وظهر ذلك بوضوح في أسئلة التضخم وسعر الصرف والسعر العالمي، كما أظهر قدرة جيدة على إدراك أن الارتباط لا يعني السببية وأن تحسن الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة تحسنًا متساويًا في مستوى معيشة المواطنين.
لكن أداءه تراجع عندما أصبحت الأسئلة أكثر اعتمادًا على الدقة المنهجية وحدود الاستنتاج من البيانات، وظهر ذلك في الخلط النسبي بين التضخم ومخفض الناتج المحلي وفي الاستنتاج بأن ارتفاع الواردات أسرع من الصادرات يعني بالضرورة اتساع العجز التجاري وكذلك في الانتقال من الأرقام إلى افتراضات حول نوايا السياسة الاقتصادية.
وكانت أكبر نقطة ضعف هي التعامل مع البيانات الاقتصادية المصرية الحديثة؛ إذ لم ينجح النموذج في تنفيذ الاختبار الذي طلب منه الاعتماد على أحدث البيانات الرسمية وبناء صورة متكاملة للاقتصاد.