منسيون في الأرض.. حكاية قرية تعاني من انعدام الخدمات بالدقهلية

09:59 م الخميس 10 يناير 2019
منسيون في الأرض.. حكاية قرية تعاني من انعدام الخدمات بالدقهلية

مركز منية النصر

كتب وتصوير - عمر هشام:

بسبب الأمطار، صارت الشوارع طينية، عشرات المواطنين كانوا يحاولون الوصول إلى منازلهم، خلعوا أحذيتهم، وساروا بأقدامٍ عارية، بخطوات حذرة، خوفًا من الانزلاق. هطول الأمطار في عزبة "علي عبدالرحمن" التابعة لمركز منية النصر بمحافظة الدقهلية، يُنذر بتعطل الطرق ووقف الحال وخروج المعلمين والطلاب من المدرسة قبل ميعاد الانصراف.

قاربت الساعة أن تكون الحادية عشر صباحا، خرج المعلمون والطلاب من المدرسة قبل ميعاد الانصراف بثلاث ساعات كاملة، يمشي الطلاب بأقدام عارية -أحيانًا- لصعوبة المشي بالأحذية، يحاول كل واحد منهم الوصول إلى منزله سريعًا، يتحرك الطالب محمد جاد ذاهبًا إلى منزله: "أنا نفسي الأسفلت ييجي، عشان لما الدنيا بتشتي المدرسين مش بييجوا ومبنعرفش نروح المدرسة"، محمد يبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما، وهو طالب بالصف الأول الإعدادي، يحلم أن يصبح طبيبًا "نفسي أبقى دكتور عشان أعالج الناس اللي عندنا هنا في القرية ببلاش".

يسير خالد محمد جوار صديقه محمد جاد: "أنا ساكن بعيد عن المدرسة بحوالي كيلو ونص، بمشي كل يوم عشان مفيش مواصلات عندنا هنا" يقول خالد، يتحدث هو الآخر عن حلمه الوحيد في الوقت الحالي وهو "إن الأسفلت يبقى موجود عشان بنتعب في المشي في الشتا".

كانت الأمطار تهطل بغزارة، عندما حاول عبدالحليم حسن، مُعلم بمدرسة أبو النصر الموجودة بالعزبة، شقّ طريقه خروجًا من المدرسة إلى الطريق العمومي، بحثًا عن أي وسيلة مواصلات تقله إلى منزله، تغطي المياه قدميه: "إحنا هنا بنتبهدل في الشتا عشان نيجي المدرسة هنا"، حلمه كحلم تلاميذه "رصف الطرق في العزبة وخاصة المؤدية من وإلى المدرسة".

يوجد في عزبة علي عبدالرحمن مدرسة واحدة وهي مدرسة "أبو النصر"، يعمل بها 18 مدرسًا منهم 9 فقط أساسيين والباقي إما بعقد أو بنظام الحصة، أو متطوعًا بوقته ومجهوده، يؤكد عبدالحليم صعوبة التحرك بعد هطول الأمطار "الدنيا لما بتشتي العيال مبيعرفوش يوصلوا بيوتهم، كلهم قالعين جزمهم وماشيين في قلب الطينة".

إبراهيم رزق، رجل خمسيني، يرى أن المشكلات ليست مقتصرة على الأمطار فقط "إحنا بنعاني من مياه غير صالحة للشرب ومفيش صرف صحي"، ورغم تبرع أهالي العزبة بقطعة أرض مساحتها 350 مترًا لإقامة محطة للصرف الصحي، إلا أن المحافظة لم تستجب، يشرد ذهن عم إبراهيم وهو يحكي عن أبنائه الأربعة "انا بتمنى لولادي كل السعادة بس احنا للأسف مش لاقيين هنا سعادة لأننا بنعاني من كتير أوي".

على بعد أمتار قليلة يقف أحمد يوسف أحد أهالي العزبة أمام منزله، يذهب هو الآخر لإطعام الماشية، يحكي عن مطالبه هو وأبناء قريته "إحنا مبنطلبش حاجة مستحيلة، إحنا بنطلب نعيش زي البني آدمين"، يحدد يوسف مطالب العزبة في عدم وجود خدمات من مياه نضيفة أو صرف صحي أو أسفلت، يتمنى حياة كريمة لابنه محمد البالغ من العمر خمس سنوات وابنته ملك البالغة ثماني سنوات "نفسي يعيشوا عيشة نضيفة.. بتمنالهم ميشوفوش العيشة اللي احنا عايشينها دي"، يتذكر يوسف موقفًا "ميحصلش غير في الأفلام": "الشتا اللي فات كان فيه واحدة حامل والدنيا مطرت وكنا عايزين نوديها المستشفى"، ولم يجد أهلها أي وسيلة مواصلات: "شيلناها على عربية صغيرة بننقل بيها الرمل والطوب".

لا يوجد بالعزبة أي مستشفى أو مركز صحي، و"أقرب مستشفى على بعد 4 كيلومترا"، كما يقول يوسف، لذلك فإن حدوث ما يستلزم الذهاب للمستشفى وقت هطول الأمطار يمكن أن يؤدي إلى إنتهاء حياة الشخص.

في الوقت نفسه، تجلس أم محمد أمام منزلها الذي يبعد أمتار قليلة عن منزل أحمد يوسف، تمتليء عيناها بالتساؤلات والحيرة والحزن، "احنا هنا في حتة مقطوعة لا بنعرف نمشي ولا نروح ولا نيجي"، تعيش أم محمد بالعزبة منذ أن ولدت، وهي أم لسبعة أبناء "كلهم متجوزين"، تتمنى لهم السعادة والرضا وراحة البال، ولكن "إزاي؟ واحنا هنا لا لاقيين سعادة ولا راحة بال، ومنين هيجي الرضا؟"، تستأذن أم محمد لتدخل إلى منزلها لشدة برودة الجو بالخارج "العيشة هنا وحشة خالص، إحنا هنا في حتة مقطوعة ولا طايلين سما ولا أرض وزي ما نكون منسيين عن الدنيا".

إعلان

إعلان

إعلان