عالمة أزهرية توضح: هل يبرر الشرع قتل الزوجة بدعوى الزنا "ثأرا للشرف"؟
كتب : علي شبل
الدكتورة روحية مصطفى
قتل الزوجة بدعوى الزنا... غيرة مشروعة أم فوضى محرّمة؟.. هكذا استهلت الدكتورة روحية مصطفى، أستاذة ورئيس قسم الفقه الأسبق بجامعة الأزهر، تعليقها على واقعة قتل زوج لزوجته وشابين في سوهاج، بدعوى وجود علاقة محرمة بينهم، والتي أثارت موجةً من التعاطف مع القاتل، حتى صُوِّر فعله في بعض التعليقات على أنه دفاع عن الشرف وغسل للعار، لافتة إلى أن ما نُشر حتى الآن لا يتجاوز رواية المتهم، ولم تثبت جريمة الزنا بحكم قضائي.
هل يبرر الشرع قتل الزوجة عند الخيانة؟
وتقول العالمة الأزهرية إن القضية تثير سؤالًا أعمق: هل يملك الزوج قتل زوجته إذا تيقن من خيانتها، بل ولو رآها بعينه متلبسة بالزنا؟
الجواب - تقول د. روحية مصطفى، عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك: لا يملك ذلك شرعًا؛ لأن الزنا من الجرائم الحدّية التي لم يجعل الشرع استيفاء عقوبتها للأفراد، وإنما أناطها بالقضاء بعد التثبت الدقيق من أركان الجريمة وشروطها وانتفاء موانعها. ولو تُرك لكل إنسان أن يقتل بمجرد دعواه أو ظنه، لأُزهقت الأرواح بالشبهات، ولتحولت الخصومات الزوجية إلى جرائم انتقام يعلّق مرتكبوها لافتة «الدفاع عن الشرف».
وأشارت أستاذة الفقه بجامعة الأزهر إلى أن الشرع قد أحاط إثبات الزنا بسياج بالغ الصرامة، فلم يقبل فيه أقل من أربعة شهود عدول يشهدون برؤية الفعل نفسه رؤية صريحة لا تحتمل التأويل، وتتفق شهادتهم دون اختلاف مؤثر؛ قال تعالى:
﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: 15]، وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].
وتابعت: وإذا كان المتهم لزوجته هو الزوج، ولم يجد أربعة شهود، لم يبح له الشرع قتلها، وإنما شرع له طريقًا قضائيًّا خاصًّا هو اللِّعان؛ فيشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتدفع الزوجة العقوبة عن نفسها بشهاداتها المقابلة، ثم يفرّق القضاء بينهما؛ كما بينت آيات سورة النور [الآيات: 6–9].
ولفتت د. روحية إلى أن هذا هو ما وقع لهلال بن أمية رضي الله عنه حين اتهم زوجته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «البينة أو حدٌّ في ظهرك»، فقال هلال: يا رسول الله، إذا رأى أحدنا رجلًا على امرأته يلتمس البينة؟ ثم أنزل الله آيات اللعان، فاستدعاهما النبي صلى الله عليه وسلم وأجرى بينهما اللعان. رواه البخاري. فلم يأذن له بالقتل، ولم يجعل رؤيته المجردة سلطةً لاستيفاء العقوبة بيده، وإنما ردّ الأمر إلى حكم الله والقضاء.
عالمة أزهرية: المقاطع المصورة لا تثبت جريمة الزنا في حق الزوجة
وأضافت العالمة الأزهرية أنه حتى لو كانت لدى الزوج مقاطع أرسلتها إليه حسابات وهمية تُظهر خيانة زوجته، وكانت سبب عودته من الغربة، فإنها لا تمنحه حق قتلها؛ لأن هذه المقاطع ليست دليلًا شرعيًّا قاطعًا على وقوع الزنا، وقد تكون مفبركة أو مجتزأة أو صادرة بقصد الإيقاع والانتقام، ولا بد من فحصها فنيًّا والتحقق من مصدرها وسلامتها. كما أن عودته من السفر بعد تلقيها ثم بحثه عن الزوجة والشابين وقتلهم لا يُعد مفاجأةً حال التلبس، بل يثير شبهة التروي والتخطيط والانتقام.
د. روحية مصطفى: الزوج ليس قاضيًا ينفذ العقوبة
وكان الواجب - تقول الدكتورة روحية مصطفى - أن يقدم هذه المقاطع إلى جهات التحقيق، فهي وحدها المختصة بفحصها وتحديد حقيقتها وقيمتها في الإثبات. بل لو ثبتت صحتها، فإنها لا تجعل الزوج قاضيًا ولا تمنحه سلطة تنفيذ العقوبة بنفسه؛ فالدماء لا تُستباح برسالة مجهولة أو مقطع متداول، وإنما تُصان حتى يفصل القضاء في الأمر وفق الأدلة والإجراءات المقررة.
حكم الزنا في الشرع
وتابعت: نحن بهذا لا نبرر الزنا ولا نهوّن من شأن الخيانة الزوجية؛ فالزنا من أشنع الجرائم وأشدها عدوانًا على الدين والعِرض والأسرة والأنساب، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]. لكن بشاعة جريمة لا تبرر ارتكاب جريمة أخرى، والخيانة لا تمنح الزوج حق التحول إلى قاضٍ وجلاد، ولا تجعل دم الزوجة أو غيرها مباحًا.
أمام الزوج إذا تحققت الخيانة أحد طريقين مشروعين
وأوضحت العالمة الأزهرية أنه كان أمام الزوج، إذا تحققت الخيانة، أحد طريقين مشروعين: إما الستر والانفصال في هدوء، ولا سيما عند وجود أطفال قد يلاحقهم العار وتدمرهم تفاصيل الجريمة طوال حياتهم، وإما اللجوء إلى القضاء وتقديم ما لديه من أدلة، لتتولى السلطات المختصة التحقيق وإثبات الجريمة وإنزال العقوبة المقررة. أما المبادرة إلى القتل فليست حدًّا شرعيًّا، بل اعتداء على حق الله وحق المجتمع، وافتئات على القضاء، وفتح لباب الفوضى وسفك الدماء.
أستاذة الفقه: الثأر للشرف منهي عنه شرعًا
وختمت الدكتورة روحية مصطفى تعليقها: التعاطف المجتمعي مع القاتل ليس نصرةً للشرف، بل تبرير لثأر فردي نهى الشرع عنه. فالغيرة المحمودة يضبطها الشرع والعقل، أما الغيرة التي تتجاوز حدود الله وتهدر الأرواح فهي عدوان لا فضيلة. والعدل لا يتحقق بأن نستنكر جريمة الزنا ثم نصفق لجريمة القتل، وإنما بأن نرفض الجريمتين معًا، ونرد الحقوق والعقوبات إلى القضاء؛ حتى لا تُزهق نفس بشائعة، ولا يُقتل بريء بصورة مجهولة المصدر، ولا يصبح ادعاء الخيانة مخرجًا جاهزًا لكل قاتل.
تفاصيل جريمة الشرف بسوهاج
كانت جريمة الشرف بسوهاج (المعروفة إعلاميًا بـ مذبحة مساكن الشوش) مثلت قضية رأي عام، وقعت أحداثها في أغسطس 2026 بقرية بلصفورة التابعة لمركز سوهاج.
أسفرت الجريمة عن مقتل سيدة وشابين على يد زوجها إثر ادعاءات بالخيانة الإلكترونية والابتزاز.
تفاصيل مذبحة مساكن الشوش بسوهاج
كان المتهم الرئيسي عاد من عمله في دولة ليبيا بعد تلقيه صورًا ومقاطع فيديو من حسابات مجهولة تزعم وجود علاقة غير شرعية لزوجته مع شابين (ميكانيكي ومساعده يعملان بورشة أسفل العقار)، وفور وصوله، أنهى حياة زوجته داخل مسكنهما، ثم توجه إلى الورشة القريبة ليقتل الشابين باستخدام سلاح أبيض.
اقرأ أيضاً:
حكم قراءة القرآن من الهاتف أثناء صلاة النافلة.. أمين الفتوى يوضح
أمين الفتوى يوضح كيفية صلاة الجماعة خلف شخص يصلي نافلة.. جهرًا أم سرًّا؟
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News