هل شعائر الحج "بقايا وثنية"؟.. تعرف على الرد الشرعي والعقلي

05:01 م الثلاثاء 07 أغسطس 2018
هل شعائر الحج "بقايا وثنية"؟.. تعرف على الرد الشرعي والعقلي

وقفة عرفة ارشيفية

كتب – هاني ضوه :

في كل عام ومع اقتراب موسم الحج، تتجدد بعض التصريحات لشخصيات مثيرة للجدل تحاول النيل من شعائر الإسلام والاستهزاء بها، لدرجة وصف الحج بأنه من "بقايا الوثنية".

الأمر الذي دعا دار الإفتاء المصرية تتصدى للأمر وكذلك بعض العلماء، فردوا على تلك الادعاءات وفندوها وبينوا بطلانها، مؤكدين أن الحج شعيرة من مِلَّة نبي الله سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الذي أمرنا الله تعالى أن نتَّبع مِلَّته، وقد أمره الله عز وجل أن يُؤذِّن في الناس بالحج.

معنى الوثنية:

ما قد يلتبس على بعض الناس من وجود وثنية في أعمال الحج ما هو إلا نتيجة سوء فهم للشريعة الإسلامية، وعدم تحديد لمعنى مصطلح (الوثنية)، حيث تتفاوت فيه الأفهام والأذهان.

فالوثنية - في الشريعة-: هي اعتقادُ النفعِ والضرِّ وأيٍّ من خصائص الألوهية لغير الله سبحانه وتعالى. أو التوجه بأنواع العبادات والشعائر الدينية تعظيمًا وتقربًا لغيره عز وجل.

فيتعلق قلب العبد بقوى متعددة، يرى فيها النجاة والخلاص والفرج دون الله سبحانه؛ فحينئذ تكون الوثنية، ويصبح الإنسان نهبًا لكل ما هو دون الله عز وجل، في حين أن الإسلام يدعوه إلى توجيه الوجه لإله واحد هو رب السماوات والأرض وما بينهما، وخالق كل شيء ومليكه، كما قال إمام الأنبياء إبراهيم عليه السلام: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.. [الأنعام : 80].

ومن المعلوم أن جميع الأنبياء والرسل، دينهم واحد، وهو الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وإن كانت هناك بعض اختلافات في الشرائع بينهم، إلا أنها متقاربة والهدف منها واحد، قال صلى الله عليه وسلم: "الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ".

شعيرة مشتركة

والحجُّ شَعِيرَة من القَدْر المشترَك بين شريعة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وشريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وقد ظل الحج يُؤدَّى بالشعائر التي علَّمها إبراهيم عليه السلام للناس فترة كبيرة من الزمن بعده، ثم أُدْخِلَت عليه بعض الطقوس التي أفسدته وحرَّفته، ومن مظاهر هذا الإفساد إقامة بعض الأصنام حول بيت الله الحرام، وطواف المشركين بها وهم عرايا، قال تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً}.. [الأنفال: 35]-أي صفيرًا وتصفيقًا-، فجاءت شريعة سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم وصحَّحت ما أفسده هؤلاء وأعادت للحج شعائره الصحيحة.

الحكمة من الطواف والسعي والنحر

أعمال الحج ليست من اختراع الأنبياء؛ ولكنَّها تكليف من الله عز وجل. وهذه الأعمال قائمة على الاستجابة لأمر الله عز وجل، فالطواف، والسعي، والنحر، وتقبيل الحجر، وغيرها من أعمال الحج لا تقصد لذاتها، بل المقصود منها هو الامتثال أمر الله تعالى، وإظهار الطاعة له. فالحج مظهر من مظاهر التوحيد لله عز وجل، وشعار الحجيج: "لبيك اللهم لبيبك لبيك لا شريك لك لبيك" دليل على هذا.

وقال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند تقبيل الحجر الأسود: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ وَلَولا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ".

وأعمال الحج لا يستفيد الله عز وجل منها لنفسه تعالى شيئًا، وإنما المقصود منها أن يُحَصِّل عباد الله التَّقوى بانصياعهم لأمر الله، قال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}.. [الحج: 36، 37].

د. مصطفى محمود يفند الإدعاءات عقليًا:

تعرض الدكتور مصطفى محمود- رحمه الله- في كتابه "حوار مع صديقي الملحد" لتلك الدعاوى بوثنية مناسك الحج ورد عليها بطريقة عقلية باهرة، فيقول في كتابه:

(قال صاحبي وهو يفرك يديه ارتياحا ويبتسم ابتسامة خبيثة تبدي نواجذه وقد لمعت عيناه بذلك البريق الذي يبدو في وجه الملاكم حينما يتأهب لتوجيه ضربة قاضية.

- ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة. ذلك البناء الحجري الذي تسمونه الكعبة وتتمسحون به وتطوفون حوله ، ورجم الشيطان .. والهرولة بين الصفا والمروة ، وتقبيل الحجر الأسود.

وحكاية السبع طوفات والسبع رجمات والسبع هرولات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية في الشعوذات القديمة ، وثوب الإحرام الذي تلبسونه على اللحم.

لا تؤاخذني إذا كنت أجرحك بهذه الصراحة ولكن لا حياء في العلم. وراح ينفث دخان سيجارته ببطء ويراقبني من وراء نظارته).

ويستطرد د. مصطفى محمود فيقول: قلت في هدوء:

- (ألا تلاحظ معي أنت أيضا أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر، الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس، والشمس حول المجرة، والمجرة حول مجرة أكبر، إلى أن نصل إلى "الأكبر مطلقا" وهو الله.. ألا نقول "الله أكبر" .. أي أكبر من كل شيء ..

وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله..

وهذا هو قانون الأصغر والأكبر الذي تعلمته في الفيزياء..

أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله..

وهو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله..

فأصبح من ذلك التاريخ السحيق رمزا وبيتا لله..

ألا تطوفون أنتم حول رجل محنط في الكرملين تعظمونه وتقولون أنه أفاد البشرية، ولو عرفتم لشكسبير قبراً لتسابقتم إلى زيارته بأكثر مما نتسابق إلى زيارة محمد عليه الصلاة والسلام .. ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون إنه يرمز للجندي المجهول فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجرا على نصب رمزي نقول إنه يرمز إلى الشيطان ..

ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك ثم بعد موتك يبدأ ابنك الهرولة من جديد وهي نفس الرحلة الرمزية من الصفا "الصفاء أو الخواء أو الفراغ رمز للعدم" إلى المروة وهي النبع الذي يرمز إلى الحياة و الوجود.. من العدم إلى الوجود ثم من الوجود إلى العدم.. أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات..

ألا ترى في مناسك الحج تلخيصا رمزيا عميقا لكل هذه الأسرار.

ورقم 7 الذي تسخر منه .. دعني أسألك: ما السر في أن درجات السلم الموسيقي 7 صول لا سي دو ري مي فا ثم بعد المقام السابع يأتي جواب الصول من جديد .. فلا نجد 8 وإنما نعود إلى سبع درجات أخرى وهلم جرا، وكذلك درجات الطيف الضوئي 7 وكذلك تدور الإلكترونات حول نواة الذرة في نطاقات 7 والجنين لا يكتمل إلا في الشهر 7 وإذا ولد قبل ذلك يموت وأيام الأسبوع عندنا وعند جميع أفراد الجنس البشري 7 وضعوها كذلك دون أن يجلسوا ويتفقوا..

ألا يدل ذلك على شيء .. أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية.

ألا تقبل خطابا من حبيبتك .. هل أنت وثني؟ فلماذا تلومنا إذا قبلنا ذلك الحجر الأسود الذي حمله نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في ثوبه وقبله. لا وثنية في ذلك بالمرة .. لأننا لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها .. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.

إن مناسك الحج هي عدة مناسبات لتحريك الفكر وبعث المشاعر وإثارة التقوى في القلب. أما ثوب الإحرام الذي نلبسه على اللحم ونشترط ألا يكون مخيطا فهو رمز للخروج من زينة الدنيا وللتجرد التام أمام حضرة الخالق .. تماما كما نأتي إلى الدنيا في اللفة ونخرج من الدنيا في لفة وندخل القبر في لفة .. ألا تشترطون أنتم لبس البدل الرسمية لمقابلة الملك ونحن نقول: إنه لا شيء يليق بجلالة الله إلا التجرد وخلع جميع الزينة لأنه أعظم من جميع الملوك ولأنه لا يصلح في الوقفة أمامه إلا التواضع التام والتجرد .. ولأن هذا الثوب البسيط الذي يلبسه الغني والفقير والمهراجا والمليونير أمام الله فيه معنى آخر للأخوة رغم تفاوت المراتب والثروات .

والحج عندنا اجتماع عظيم ومؤتمر سنوي ..

ولو وقفت معي في عرفة بين عدة ملايين يقولون الله أكبر ويتلون القرآن بأكثر من عشرين لغة ويهتفون لبيك اللهم لبيك ويبكون ويذوبون شوقا وحبا – لبكيت أنت أيضا دون أن تدري وتذوب في الجمع الغفير من الخلق .. وأحسست بذلك الفناء والخشوع أمام الإله العظيم مالك الملك الذي بيده مقاليد كل شيء).

مصادر:

الموقع الرسمي دار الإفتاء المصرية.

كتاب "فتح الباري" – الإمام ابن حجر العسقلاني.

كتاب "إكمال المعلم" – القاضي عياض.

كتاب "حوار مع صديقي الملحد"- د. مصطفى محمود.

اقرأ أيضا:

-قتلوا الحجيج واقتلعوا باب الكعبة وسرقوا الحجر الأسود ليبنوا كعبتهم.. شاهد كعبة القرامطة

إعلان

إعلان

إعلان