يبدو التوتر المستمر مجرد حالة نفسية، لكنه في الواقع يمكن أن يؤثر في الجسم بأكمله، فعندما يظل الإنسان تحت ضغط لفترات طويلة، يبقى الجسم في حالة من التأهب المستمر، مما قد يؤثر في النوم والمزاج والتركيز والجهاز الهضمي والقلب والمناعة.
ومع مرور الوقت، قد يؤدي استمرار هذه الحالة إلى زيادة خطر بعض المشكلات الصحية، خاصة إذا لم يحصل الجسم على فترات كافية من الراحة والتعافي.
وبحسب ما ذكره موقع «Medical News Today»، نستعرض في التقرير التالي تأثير التعرض المستمر للضغط والتوتر في الجسم، وأبرز أعراض الإجهاد المزمن وطرق التعامل معه.
ما هو الإجهاد المزمن؟
الإجهاد هو استجابة طبيعية من الجسم والعقل للمواقف التي يشعر الإنسان بأنها تتطلب منه جهدًا أو تعاملًا خاصًا، وعند التعرض للضغط، ينشط نظام الاستجابة للتوتر، ويفرز الجسم هرمونات، من بينها الأدرينالين والكورتيزول، ما يساعد على زيادة اليقظة والاستعداد للتعامل مع الموقف.
وقد يؤدي ذلك مؤقتًا إلى زيادة معدل ضربات القلب والتنفس وتوتر العضلات، وهي استجابة تعرف عادة باسم «الكر والفر».
وفي الظروف الطبيعية، تهدأ هذه الاستجابة عندما ينتهي الموقف المسبب للتوتر، ولكن عندما تستمر الضغوط أو تتكرر دون فترات كافية للتعافي، قد يبقى الجسم في حالة من الاستنفار لفترة طويلة، وهنا يمكن أن يصبح التوتر مزمنًا.
أسباب الإجهاد المزمن
يمكن أن ينشأ الإجهاد المزمن نتيجة ظروف مختلفة، وتختلف أسبابه من شخص إلى آخر، ومن أكثر الأسباب شيوعًا:
1- ضغوط العمل المستمرة أو بيئة العمل المرهقة.
2- المشكلات المالية والديون وعدم الاستقرار المادي.
3- الخلافات أو العلاقات الصعبة.
4- البطالة أو عدم الاستقرار الوظيفي.
5- المشكلات الصحية أو الإصابة الجسدية التي تؤثر في الحياة اليومية.
6- رعاية شخص مريض أو يحتاج إلى مساعدة مستمرة.
7- التعرض للتمييز أو ظروف اجتماعية صعبة.
8- القلق المستمر بشأن الأسرة أو المستقبل.
9- الأحداث الصادمة أو التجارب السلبية، خصوصًا عندما تبدأ في مرحلة الطفولة.
ولا يشترط أن يكون سبب التوتر حدثًا واحدًا كبيرًا، فقد ينتج الإجهاد المزمن أيضًا عن تراكم ضغوط صغيرة ومتكررة تجعل الشخص يشعر بأنه لا يحصل على فرصة حقيقية للراحة.
أعراض الإجهاد المزمن
يمكن أن يؤثر الإجهاد المزمن في جوانب متعددة من حياة الشخص، وتختلف الأعراض من شخص إلى آخر من حيث النوع والشدة.
ومن أبرز الأعراض التي قد تظهر:
سرعة الانفعال والعصبية.
الشعور بالتعب والإرهاق.
الصداع أو توتر العضلات.
صعوبة التركيز.
كثرة التفكير أو الشعور بأن العقل لا يهدأ.
اضطرابات النوم.
تغير الشهية أو الوزن.
المعاناة من مشكلات الجهاز الهضمي.
الشعور بالعجز أو فقدان السيطرة.
انخفاض تقدير الذات.
انخفاض الرغبة الجنسية.
الشعور بالقلق والتوتر المستمر.
مواجهة صعوبة في الاسترخاء.
تراجع القدرة على أداء المهام اليومية.
كيف يؤثر الإجهاد المزمن في الجسم؟
عندما يستمر نظام الاستجابة للتوتر في العمل لفترات طويلة، قد يؤثر ذلك في عدد من أجهزة الجسم، فالإجهاد المزمن لا يقتصر تأثيره على الحالة النفسية، بل يمكن أن يمتد إلى القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي والجهاز المناعي والجهاز العصبي وغيرها.
1- القلب وضغط الدم
يمكن أن يؤدي استمرار استجابة الجسم للتوتر إلى ارتفاع معدل ضربات القلب وضغط الدم بصورة متكررة، ومع استمرار ذلك لفترات طويلة، قد يرتبط الإجهاد بزيادة مخاطر بعض أمراض القلب والأوعية الدموية.
2- تضرر الجهاز المناعي
يمكن للتوتر قصير المدى أن يؤدي إلى تنشيط بعض الاستجابات المناعية، لكن التعرض المزمن للتوتر قد يؤثر سلبًا في تنظيم الجهاز المناعي، ويرتبط بزيادة القابلية لبعض المشكلات الصحية وصعوبة التعافي منها.
3- خلل في الجهاز الهضمي
قد يؤدي التوتر المستمر إلى ظهور أو زيادة بعض الأعراض الهضمية، مثل اضطراب المعدة أو آلام البطن أو تغير حركة الأمعاء، وقد تزداد بعض الأعراض لدى الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات هضمية معينة.
4- تغييرات في النوم
يعد اضطراب النوم من أكثر المشكلات المرتبطة بالإجهاد المزمن، فقد يجعل القلق وكثرة التفكير من الصعب الاسترخاء أو النوم، بينما يؤدي نقص النوم بدوره إلى زيادة صعوبة التعامل مع التوتر، ما قد يخلق دائرة متكررة من الإجهاد وقلة النوم.
5- الدماغ والتركيز
يمكن للإجهاد المزمن أن يؤثر في الانتباه والذاكرة والتركيز والحالة المزاجية، وقد يشعر الشخص بأنه مشتت أو غير قادر على التفكير بوضوح كما كان من قبل.
تأثير الإجهاد المزمن على الصحة النفسية
لا تقتصر آثار الإجهاد المزمن على الأعراض الجسدية، بل يمكن أن يؤثر أيضًا في الصحة النفسية، فقد يرتبط التوتر المستمر بزيادة أعراض القلق والاكتئاب، كما قد يؤثر في العلاقات الاجتماعية والقدرة على اتخاذ القرارات والسيطرة على الانفعالات.
وفي بعض الحالات، قد يلجأ الشخص إلى سلوكيات غير صحية للتعامل مع الضغط، مثل الإفراط في تناول الطعام أو التدخين أو استخدام الكحول أو مواد أخرى، وهو ما قد يزيد المشكلات الصحية بدلًا من حلها.
الإجهاد الحاد والإجهاد المتقطع والإجهاد المزمن
ليس كل توتر يستمر بالطريقة نفسها، ولذلك من المفيد التمييز بين الأنواع المختلفة.
أولًا: الإجهاد الحاد
هو توتر قصير المدى يحدث استجابة لموقف محدد، مثل مقابلة عمل، أو امتحان، أو خلاف مفاجئ، أو موقف خطير، وعادة تهدأ استجابة الجسم بعد انتهاء الموقف.
ثانيًا: الإجهاد المتقطع
يحدث عندما يتعرض الشخص لنوبات متكررة من التوتر الحاد على مدى فترة طويلة، مع وجود فترات يقل فيها التوتر أو يختفي.
ثالثًا: الإجهاد المزمن
يحدث عندما تستمر الضغوط أو تتكرر بصورة تجعل الشخص يعيش في حالة توتر لفترة طويلة دون فترة كافية من التعافي، ومع الوقت، قد يصبح الشعور بالتوتر جزءًا معتادًا من الحياة اليومية.
هل الإجهاد المزمن مرض بحد ذاته؟
الإجهاد المزمن هو حالة مستمرة من التعرض للضغوط واستجابة الجسم لها، لكنه ليس بالضرورة تشخيصًا نفسيًا مستقلًا بحد ذاته.
وقد تتشابه أعراضه مع حالات صحية أخرى، مثل اضطرابات القلق أو الاكتئاب أو بعض المشكلات الجسدية، لذلك لا ينبغي تشخيص الحالة بنفسها اعتمادًا على قائمة الأعراض فقط، خصوصًا إذا كانت الأعراض شديدة أو مستمرة.
كيف يمكن التعامل مع الإجهاد المزمن؟
يمكن أن يساعد تغيير نمط الحياة في تخفيف التوتر وتحسين القدرة على التعامل معه، ومن الإجراءات المفيدة:
الحرص على ممارسة النشاط البدني بانتظام.
الالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة.
الحصول على قدر كافٍ من النوم.
تقليل الإفراط في تناول الكافيين.
تخصيص وقت للراحة والأنشطة الممتعة.
الحرص على ممارسة تمارين التنفس والاسترخاء.
تنظيم المهام وتحديد الأولويات.
تقليل الالتزامات غير الضرورية عندما يكون ذلك ممكنًا.
التحدث مع الأشخاص الموثوقين وطلب الدعم.
تجنب استخدام الكحول أو المخدرات كوسيلة للتعامل مع التوتر.
وتشير توصيات الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أهمية النشاط البدني والنوم الجيد وتقليل الكافيين ووضع حدود للالتزامات وطلب الدعم عند الشعور بأن التوتر أصبح صعبًا على التحكم.
متى يحتاج الشخص إلى التوجه إلى الطبيب؟
من الأفضل طلب المشورة الطبية عندما يستمر التوتر لفترة طويلة أو يبدأ في التأثير بوضوح في النوم أو العمل أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
كما تستدعي الأعراض الجسدية الجديدة أو الشديدة تقييمًا طبيًا، لأن بعض الأعراض التي تُنسب إلى التوتر قد تكون لها أسباب صحية أخرى.
ويصبح طلب المساعدة أكثر أهمية عندما يشعر الشخص بأنه لم يعد قادرًا على تحمل الوضع، أو عندما يلجأ إلى الكحول أو المخدرات للتعامل مع مشاعره، أو عندما تراوده أفكار بإيذاء نفسه أو الانتحار.
وفي الحالات التي تتضمن خطرًا فوريًا على النفس أو الآخرين، ينبغي طلب المساعدة الطارئة فورًا.