كشفت دراسة حديثة أن الدخان الناتج عن حرائق المدن قد يحمل مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة السامة، نتيجة احتراق المباني والسيارات والأجهزة الإلكترونية، ما يزيد المخاطر الصحية التي يتعرض لها السكان خلال هذه الكوارث.
ووفقا لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية، تعرض ملايين السكان في مدينة لوس أنجلوس لمستويات مرتفعة من الرصاص السام خلال حرائق عام 2025، إذ وصلت تركيزاته في الهواء خلال ذروة الحرائق إلى أكثر من 80 ضعف المستويات المعتادة على مدار 24 ساعة، بحسب نتائج الدراسة التي أجراها باحثون من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا ونشرت في دورية "Science Advances".
وقارن الباحثون التركيب الكيميائي للدخان الناتج عن حريق إيتون في لوس أنجلوس بدخان حريق غابات آخر، ليتبين أن دخان الحريق الذي طال المناطق الحضرية احتوى على مستويات أعلى من الرصاص والزرنيخ والهالوجينات، وهي عناصر تشمل الكلور والبروم، وترتبط بانبعاثات احتراق السيارات ومواد البناء والأجهزة الإلكترونية.
وقالت نجا لي "سالي" نج، إحدى المشاركات في إعداد الدراسة، إن النتائج أظهرت اختلافا جوهريا بين دخان حرائق الغابات والدخان الناتج عن احتراق المناطق الحضرية، موضحة أن التقنيات المستخدمة أتاحت للباحثين تحليل المكونات الكيميائية الدقيقة للجسيمات التي يستنشقها السكان.
وأضافت الباحثة المشاركة هارولا بالياكا أن فهم الاختلاف في التركيب الكيميائي للدخان الناتج عن حرائق المدن والغابات يسد فجوة مهمة في الأبحاث المتعلقة بتلوث الهواء، خاصة مع تزايد الحرائق واتساع نطاقها وشدتها وسرعة انتشارها، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والجفاف المرتبطين بتغير المناخ.
لماذا كان دخان حرائق لوس أنجلوس أكثر سمية؟
اندلعت حرائق إيتون وباليسيدز في ولاية كاليفورنيا يوم 7 يناير 2025، وأسفرت عن وفاة 31 شخصا على الأقل وتدمير أكثر من 16 ألف منشأة، معظمها منازل، بما تحتويه من سيارات ودهانات وأثاث ومواد كيميائية وأجهزة إلكترونية.
وأوضح الباحثون أن احتراق هذه الممتلكات أدى إلى إطلاق مجموعة من الملوثات والمعادن الثقيلة في الهواء، وهو ما يفسر الاختلاف في التركيب الكيميائي للدخان مقارنة بالحرائق التي تلتهم الغطاء النباتي بصورة أساسية.
واعتمدت الدراسة على بيانات شبكة "ASCENT" الأمريكية لمراقبة جودة الهواء، التي تقيس حجم الجسيمات الدقيقة وتركيبها الكيميائي في الوقت الفعلي، وساعدت الباحثين على تتبع التغيرات في مكونات الدخان على مدار ساعات الحريق، وتحديد الانبعاثات الناتجة عن احتراق المباني والمنشآت.
وأظهرت المقارنة أن دخان حريق لوس أنجلوس احتوى على رصاص يزيد 50 مرة على مستوياته في دخان حريق غابات وقع بمقاطعة ريفرسايد عام 2024، كما سجل مستويات من الزرنيخ أعلى بثلاث مرات، والهالوجينات أعلى بسبع مرات.
وخلال ذروة الحرائق، تعرض نحو 7 ملايين شخص لمستويات من الرصاص تجاوزت المعدلات المعتادة بأكثر من 80 مرة على مدار 24 ساعة، وفق تقديرات الباحثين.
كيف تؤثر المعادن الثقيلة في صحة الإنسان؟
يعد الرصاص من السموم العصبية التي قد تؤثر في نمو الأطفال وتؤدي إلى انخفاض معدلات الذكاء، كما يمكن أن تسهم في ارتفاع ضغط الدم لدى البالغين، بينما يرتبط التعرض للزرنيخ بزيادة مخاطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان.
ومع ذلك، لا يزال العلماء لا يعرفون على وجه الدقة التأثيرات الصحية للتعرض قصير الأمد لمستويات مرتفعة من الرصاص، وهو ما يبرز الحاجة إلى مزيد من الأبحاث لفهم المخاطر المحتملة.
وقال إد أفول، أستاذ فخري بكلية كيك للطب في جامعة جنوب كاليفورنيا، إن رصد مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة يتوافق مع ما كان يتوقعه الباحثون، لكنه يظل أمرا لافتا، نظرا إلى صعوبة توثيق هذا النوع من التعرض في السابق.
وأشار إلى أن إحدى أبرز مزايا الدراسة تتمثل في قدرتها على قياس مكونات الهواء ساعة بساعة، بدلا من الاكتفاء بالقياسات الدورية التي تجرى عادة عدة مرات أسبوعيا.
من جانبه، قال ياجوانج وي، الأستاذ المساعد بقسم الطب البيئي في كلية إيكان للطب بجامعة ماونت سيناي، إن النتائج تعزز أهمية الانتباه إلى سمية الجسيمات الدقيقة الناتجة عن الحرائق، موضحا أن احتراق المنازل يطلق ملوثات مصدرها الدهانات والبلاستيك والأجهزة الإلكترونية.
دعوات لتطوير أنظمة مراقبة الهواء والاستجابة للحرائق
ودعا خبراء إلى تطوير إجراءات مراقبة جودة الهواء والإنذار المبكر خلال الحرائق، إلى جانب تعزيز التدابير الحكومية لحماية الصحة العامة، مع زيادة الاستثمار في أنظمة رصد الحرائق وتوعية السكان بمخاطر الدخان.
ويرى الباحثون أن تداخل المناطق السكنية مع المساحات الطبيعية، بالتزامن مع تغير المناخ، يجعل الحرائق الحضرية أكثر أهمية من الناحية الصحية، إذ لا يقتصر خطرها على النيران والرماد، بل يمتد إلى الملوثات الكيميائية التي تنطلق عند احتراق المباني ومحتوياتها.
وشدد الخبراء على ضرورة البحث عن وسائل تحد من تعرض السكان لهذه المواد السامة، خاصة أن كثيرا من المواد التي تحتوي على المعادن والهالوجينات موجودة بالفعل في المنازل والمباني اليومية.
اقرأ أيضا:
5 أخطاء عند استخدام الدفاية في الشتاء قد تسبب الحرائق والتسمم
لتجنب الاختناق والحرائق.. نصائح مهمة عند استخدام السخانات في الشتاء