إعلان

" رجعت الحرب جواي".. كيف يتابع غزيون قصتهم في "صحاب الأرض" خلال رمضان؟

كتب : مارينا ميلاد

05:08 م 20/02/2026 تعديل في 11:00 م

مسلسل صحاب الأرض

تابعنا على

في المساء بمخيم البريج الصغير بوسط غزة، تمشي رباب يوسف مع بناتها الأربعة وسط خيام، يتدلى من بعضها زينة رمضانية متواضعة. تصل إلى الخيمة العاشرة على الصف نفسه، وعندها تجلس مع أخرين، باتوا جيرانها في سكنها الجديد ما بعد النزوح.

يتجمعون هنا، في تلك الخيمة الوحيدة بمربعهم التي يملك صاحبها ألواح الطاقة الشمسية، المصدر الوحيد للكهرباء بغزة، ولديه شاشة عرض أيضًا. سيشاهدون عليها الحلقة الأولى من مسلسل "صحاب الأرض"، الذي يروي قصتهم وأسوأ فصولها.

تنطلق أغنية "يمة مويل الهوا" بصوت أمير عيد وناي برغوثي ومطلعها التراثي الفلسطيني: "يمة مويل الهوا يمة مويليا.. ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيا"، والصوت نفسه يتردد في بيت "حنين" المستأجر بالقاهرة، تلتف مع أسرتها حول التلفاز ويستعدون لمشاهدة أنفسهم وكيف صورهم المسلسل؟

ومع الدقائق القليلة الأولى، التي أظهرت دمار غزة والركض وأصوات القصف، امتلأت عيني "رباب" و"حنين" بالدموع.. 40 دقيقة، أيقظت داخلهما كل شئ، ظنوا أنه تلاشى أو على الأقل هدأ مع وقف الحرب. وأعادتهما إلى إلى اللحظات، التي سلبتهما الكثير وأخذت كل منهما إلى مكانه الآن.. فتقول "حنين": "حسيت انو رِجعت الحرب جواي"..

في البداية، يٌقصف بيت عائلة "ناصر"، الفلسطيني الذي يؤدي دوره إياد نصار، ولم ينجو سواه وابن أخيه الصغير الذي أخرجه من تحت الأنقاض، فيتذكر كل من "حنين" و"رباب"، وهما زوجتا شقيقين، بيتهما، بيت العائلة الواقع في مدينة "بيت لاهيا" بشمال غزة، حيث سكنا معًا، وقُصف بالطريقة نفسها.

ومن نجا من القصف، كأسرة "رباب" و"حنين"، صاروا نازحين، الأولى في بلدها والثانية خارجها.

تتوالى أمامها مشاهد القتل بالمسلسل واحد بعد الأخر، فترتجف "رباب" في مكانها، تبكي في صمت، فالرصاص الحقيقي أصاب أقاربها بمنطقة النصيرات، خالها وأولاده. وكذلك، أبناء عم "حنين"، وهم في طريق جلب المساعدات بالقرب من دير البلح (المحافظة الوسطى).

تقول "حنين"، وهي تشير باتجاه التلفاز: "خلي الكل يحس بشو صار فينا".

عادة، لم تكن "حنين" تجلس في رمضان لتتابع المسلسلات كما تفعل الآن. فمن ناحية، كانت تتكيف مع فكرة قطع الكهرباء ليلا لأيام طويلة، وهو أمر بديهي في غزة حتى قبل الحرب الأخيرة، ومن ناحية أخرى، فهي تفضل مثل غالبية سكان القطاع أن يتمشوا على البحر أو يذهبوا إلى الأسواق أو كما تحكي: "نقعد ع بواب بيوتنا.. نستنى أهالينا يزورونا ونعزمهم.. رمضان لمة عيله، وإذا حدا حابب يتابع مسلسل بيحملو عالنت حلقات وبيحضرو عالجوال.. هيك كنا".

لكن هذا المسلسل الذي سحبهم ليجلسوا أمامه له خصوصيته، فأرادت "حنين" وبالمثل "رباب" أن يشاهدا كيف تحولت أيامهما بكل ما فيها من معاناة ورعب إلى مشاهد درامية؟، حيث الطوابير التي لا نهاية لها أمام الحمامات أو لتعبئة المياه، العبور الشاق بالإسعاف من الطرق المغلقة، صلاة الغائب الموجودة في كل مكان، والمُسيرة الإسرائيلية "كواد كابتر" التي تراقبهم طوال الوقت، يرفعون أمامها هويتهم وأوراقهم، وأحيانا تطلق عليهم النار إن أرادت.

تلك التفاصيل التي حملتها أحداث المسلسل، وجسدها ممثلين فلسطينيين، جعلت "رباب" تلتفت وتقول للجالسين جوارها، وعلى وجوههم الوجوم ذاته: "كأن المخرج كان عايش معنا داخل غزة".. وفي الوقت نفسه، كانت "حنين" تضيف عليها: "عِشت هاي الأحداث حرف حرف".

637793909_1370141038473695_5808049507437809811_n

يقطع اندماجهما فاصل إعلاني، تستغله "رباب" في التقاط إنترنت من الموجودين والتحدث مع زوجها الموجود في شمال القطاع مع والده لأجل العمل.. تبقى قلقة طوال الوقت، فزوجها قريب من الخط الأصفر، ذلك الخط المحدد باتفاق وقف إطلاق النار، وتنسحب القوات الإسرائيلية إلى ما وراءه، وجرى ترسيمه ميدانياً بكتل خرسانية صفراء. لكن وفقا لشهادات السكان، وصور الأقمار الصناعية، "تُحرك إسرائيل هذه الكتل من أماكنها المحددة على الخرائط، وتضعها على مسافات بعيدة". ليصبح الخط مربكًا لهم دائمًا، فيسمع زوجها أصوات الرصاص كل يوم عنده. وحوله، زادت وقائع إطلاق النار لأكثر من 50 واقعة منذ أكتوبر الماضي، بحجة أن هؤلاء يتجاوزون هذا الخط.

يفشل اتصالها به، فلا شبكة ولا إنترنت لديه بالشمال، الذي صار فارغًا ومعتمًا.

على الشاشة أمامها، الكثير من الإعلانات التي تدور حول فكرة "لمة العيلة". يشعرها ذلك أن "رمضان لايزال كئيبا نوعًا ما"، كما تصف. على الرغم أنه الأفضل خلال الثلاث أعوام الأخيرة لتوقف الحرب ودخول المساعدات.

لكنها تحاول ألا تنقل إحساسها لأطفالها. لذا تجلس هنا، "وسط ونس، تفتقده مناطق أخرى". تحتفل معهم بالزينة أو الطعام، في قائمة لا تضم الياميش لارتفاع أسعاره بالأسواق.

يعود المسلسل، وتتقاطع حياة الطبيبة المصرية (سلمي) التي تؤديها منة شلبي، وجاءت إلى غزة ضمن قافلة إغاثة مع حياة "ناصر"، الرجل فلسطيني، الذي حمل ابن أخيه إليها بالمستشفى المكتظة بالقتلى والمصابين.. وينهي أحداثه بمشهد مشوق للحلقة التالية.

تمسح "حنين" دموعها سريعًا أمام ابنها "محمود" (7 سنوات)، الذي انكمش بجسده على الأريكة مذعورًا، فاستحضر تلك الصور العالقة في ذهنه. كانت أمه تظن أنه نَسى لكن مشاهد الحرب لم تغادره، وصار يخبرها: "بديش ارجع ع غزة".. لا تعرف تطمئنه أم تطمئن نفسها، فتقول: "أنا خايفه ارجع إلا لما اليهود تنسحب تمامًا والإعمار يبدأ.. تجربتنا قديش كانت صعبة، والمسلسل وصفها".

وعند "رباب"، انفضت الجلسة بعد الحلقة، التي تركتها بفكرة واحدة وهي "أن الحرب لم تنته بعد، لا في ذاكرتهم ولا إحساسهم ولا خوفهم الذي لازال حاضرًا". فيما تقول هالة شهادة، وهي كاتبة وصحفية، "عندما شاهدت الحلقة، رأيت وجوهًا تشبه وجوهنا وأصواتًا تشبه أصواتنا.. فشعرت أن بابًا قديمًا في داخلي انفتح فجأة، عاد صوت القصف كما كان، ليس من الشاشة بل من ذاكرتي. بكيت. ليس لأنني أرى قصة! بل لأنني كنتُ يومًا داخلها".

رغم ذلك، كانت "رباب" سعيدة بالمسلسل، الذي بدا "مستفزًا" لوسائل الإعلام الإسرائيلية، فتقول: "أنا كغزاويه افتخر بهذا العمل، شكرًا للدراما المصرية، لأنه على مدار عامين غاب دور غزة عن السينما والدراما.. ألا يرتقي ما يحدث في غزة أن يوثق بآلاف الأفلام والمسلسلات؟".

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان