• حب في الزنزانة.. أسير فلسطيني يتزوج فتاة انتظرته 16 عاما وأنشأت لهما بيتا

    07:55 م السبت 08 يونيو 2019
    حب في الزنزانة.. أسير فلسطيني يتزوج فتاة انتظرته 16 عاما وأنشأت لهما بيتا

    أسير فلسطيني يتزوج فتاة انتظرته 16 عاما

    كتب- محمد مهدي:

    تبدو القصة خيالية، لا تُصدق من الوهلة الأولى، لكن هناك معجزات ماتزال تُصنع على يد الحُب، يشهد على ذلك ما جرى على أرض فلسطين بين الأسير هادي همشري وخطيبته شذى العلي، إذ قضى نحو 16 عاما داخل سجون الاحتلال، فيما تنتظره الحبيبة دون كَلل أو ملَل، لا تتخلى عنه، بل أنجزت لهما بيتًا من أمواله وراتبها، يستقبلهما في الأيام القادمة، حيث يُسدل الستار على سنوات الصبر بإتمام حفل زفافهما الأسبوع المُقبل.

    صورة 1

    مصراوي تواصل على مدار أيام مع الأسير السابق هادي الهمشري، وخطيبته شذى ليتحدثا معًا عن مسيرة 16 عاما من الحُب والصَبر، قرار ارتباطهما خلال تواجده في سجون الاحتلال، اللقاء الأول بعد سنوات خلف ألواح زجاجية، الخطابات التي أبقت على حُبهما مشتعلا، قصة إنشاء بيت الزوجية على مدار 10 سنوات، لحظات القلق والتردد،شعورهما لحظة الإفراج عنه، واستعدادات الزواج الأخيرة.

    في عام 2003 حاصرت قوات الاحتلال الإسرائيلي "هادي" كونه عضوًا بحركة فتح الفلسطينية، قاوم الشاب الثلاثيني حينها لكن النهاية لم تكن في صالحه "قضيت شهور في مراكز التحقيق ولا حد عارف يوصلي من أهلي" خضع لمحاكمات سريعة أصدرت قرارها بحبسه 25 عاما "تم تخفيفها لـ16 سنة بعد تدخل عدد من المحامين" بات على "هادي" مواجهة الاحباط والواقع المُر، التأقلم على ترك حياته وذويه وأحلامه لسنوات، قبل أن يتلقى رسالة من "شذى" كان لها مفعول السِحر.

    لم تكن علاقتهما وطيدة قبل اعتقاله "تعرفت عليه من خلال كلام أخواتي عنه، هو صديق إلهم، أُعجبت بشخصيته ونضاله كرمال وطنه وشعبه" كما تقول شذى. تتبعت الفتاة العشرينية أخبار صديق الأسرة قبل أن تبعث رسالة للأسير الفلسطيني بعد موافقة ذويها، هناك شيء خفي تحرك داخلها دفعها لتلك الخطوة التي أنقذت هادي من جحيم اليأس "رسالتها الأولى شجعتني ودعمتني كتير، تفاجئت بها حقيقي، جاءت في ظل ظروف صعبة وانقطاع لشهور عن العالم الخارجي" مع انتهائه من قراءة السطور الأخيرة تبدد الحزن من وجهه.

    صورة 2

    صار للحياة معنى جديد، نشأت علاقة ود واهتمام بينهما من خلال الخطابات، يقتربا أكثر بالكلمات، وحينما تَفشل شذى في التواصل معه "أطمئن عليه من أهله بعد كُل زيارة" لاحت في الأفق مشاعر طيبة كان لابد من إعلانها "طرحت قصة الارتباط على أسرتنا، الخطوة دليل على وجود الأمل لدي كأسير، وإنه مازال الغد مليء بالأمنيات" فيما تلقت هي الخَبر بفرحة "وافقت لأني حبيته، شخص ضحى بعمره مشان الوطن أكيد راح يديني الأمان، وأنا ما كان بدي غير هيك" صارت خطيبته رغم المسافات والحواجز التي تفصل بينهما وعدم تمكنهما من رؤية بعضهما منذ سنوات.

    مرت سنوات الغياب لا يملكان فيها سوى "الجوابات" لقاءات على الورق، حياة تُخلق بالكلمات عبر نظام صارم إذ يُسمح فقط بـ 3 ورقات تُنقل عبر منظمة الصليب الأحمر "كل شهر مسموح لك مرة، كانت بتروح متأخر، أبعت في شهر توصل بعدها بـ 3 شهور" ظلت قشة النجاة التي يتعلق بها هادي داخل محبسه "أترجم مشاعر حبي على الورق، وأحرص على الحديث عن الحرية، وكيف نبني مستقبلنا" فيما تصبح رسالتها هي ملاذه الوحيد "رسالة منها مثل الإفراج.. أفضل الشهر كله أقراها وأعد الأيام في انتظار الرسالة التانية، كانت عامل قوي لتشجيعي على الصبر والتحمل".

    صورة 3

    لم يطق كلا منهما الانتظار أكثر من ذلك، جاء الحل بإتمام وثيقة زواج حتى يتمكنا من اللقاء "الاحتلال ما بيسمح سوى زيارة الأقارب من الدرجة الأولى" حصلا على موافقة الأسرة "الشهود من أعضاء بالصليب الأحمر، والإشهار في المحاكم الفلسطينية" امتدت الإجراءات لنحو عام "تلقيت جواب إنه مشي الأمور بشكل تمام" عندما أبلغوه بزيارتها له في اليوم التالي، شعر بالارتباك، مشاعر مختلطة بين الحنين والقلق، الآن سيتمكن من رؤية حبيبه وجها لوجه، قضى ليلته يُفكر كثيرًا "كنت أحسب إزاي أقابلها، كيف أحكي وكيف نقعد، كثير من الأفكار بتدور داخلي" طَلب من إدارة السجن الخروج بملابس عادية بدلًا من زي السجناء لكنهم رفضوا.

    في الساعة الموعودة، تقدم هادي بخطوات سريعة إلى الغرف المخصصة للزيارة، قلبه يخفق، يلتقط أنفاسه ليضبط مشاعره، دلف إلى المكان، رأى حبيبته، مسه سِحر، جلس أمامها يفصل بينهما لوحا زجاجا بينما عيناها تتثبث به، مرت لحظات من الصمت، النظرات تقول كل شيء، تلتقط ملامح كلا منهما لتبقى في الروح والذاكرة قبل أن يتدفق الحديث بينهما كنهر يعرف طريقه جيدًا "مدة الزيارة 40 دقيقة شعرت إن اللقاء مر في ثواني" فيما تصفه شذى""أروع يوم.. بداية حياة أطلبها من سنين" لم تمنعهما الحراسة أو الحواجز من بلوغ السعادة بتلك المقابلة.

    رغم حلاوة اللقاء لكن ثمة شعور ثقيل الخطى تسلل إلى قلب هادي "سنوات السجن طويلة ومصيري المجهول، وضعي الصحي والضغوط اللي تتعرض لها في الخارج نظرًا لثقافتنا العربية، هل أقدمنا على خطوة متسرعة؟ كل هذه الهواجس طاردتني" ظلت الأسئلة تؤرقه حتى الزيارة الثانية بعد شهر "تحدثت إليها عن الوضع والتحديات، ردت بجواب نهائي، ممنوع الحديث عن هيدي الشيء، وإننا سنواجه كافة التحديات" بريق عينيها يؤكد صدقها، قبل أن تُطرج أفكار عن الأمل والمستقبل "اتفقنا على توفير ما يتبقى من راتب هادي كأسير بعد مصاريف والديه، مع راتبي، وشراء قطعة أرض لتأسيس منزلنا.

    صورة 4

    على مدار 10 سنوات، بات على عاتق الفتاة العشرينية تجهيز بيت الزواج "هي ترجمت حديثنا وأحلامنا إلى واقع" رفقة ذويها وأسرته تقضي شذى مشاوير يومية للبحث عن قطعة أرض مناسبة، ثم تأسيسه خطوة تلو الأخرى "ما كنت شاهد على هذه الأيام، لكن مسموح للأسير بـ 5 صور في الزيارة، كانت تبتعتلي كل مرحلة من لحظة شراء قطعة الأرض للتأسيس ثم التجهيز" تحرص على مشاورته في كافة التفاصيل، عدد الغُرف، ألوان الجدران، الأثاث الأفضل كأن السجن لا يُفرق بينهما "ولا مرة شعرت باليأس، كان كلي أمل إننا نعيش سوا ونكون أسرة سعيدة" كما تقول شذى.

    مضى الزمن، انتهت مُدة السجن، خرج هادي من العُزلة والظلام إلى النور، حينما دلف إلى الخارج وجد العشرات في انتظاره، صخب من حوله، أمه تحتضنه باكية، وسائل إعلام مختلفة ترصد الحدث وتتحدث إليها، فيما تبحث عيناه عن حبيبته "لحظة خروجه كانت لحظة ميلادي، ما كنا نحكي شيء سوى نظراتنا لبعض" يهمس لها "اطمني.. أحبك ما راح أبعد عنك مرة تاني" قبل أن ينطلقوا إلى "طولكرم" في استقبال حافل من أبناء بلدته واحتفاء به كأسير فلسطيني قاوم اليأس وعاد من جديد إليهم.

    صورة 5

    بعد يومين انسحب هادي من الزحام حول منزله ولقاءات المعارف والمباركات، انطلق رفقة شذى إليها بيتهما لمطالعته للمرة الأولى، عندما وقف أمام المنزل ثم تجول داخله لم يُصدق ما يراه "أول ما زاره انصدم كتير، كل شيء عجبه بس بصمت" يتأقلم الرجل الأربعيني على الحياة الجديدة ببطء "لم أصدق أن هذا بيتي وسأعيش فيه مثل باقي البشر، صار لي بيت ومحطة أستقر وأعيش فيها وأنظم حياتي" تداركت العروس ذلك سريعًا، تربت على كتفه مؤكدة له أن القادم أفضل، وأن كل شيء سيمر طالما يسيران معا "الحقيقة شذى تمثل قدوة كبيرة في صبرها وتحملها والتزامها تجاهي".

    سريعًا دارت وتيرة الاستعدادات للزواج، على قدم وساق ينشغل الجميع لتجهيز العرس السعيد، تم تحديد يوم 15 يونيو من العام الجاري لإقامته"مستمرين بالتجهيزات الأخيرة في البيت" فيما شرع الأهالي في حجز قاعة الفرح ودعوة الأقارب والجيران والمعارف، الجميع في طولكارم سيحتفل بالبطل وزوجته وقصتهما التي صارت حديث فلسطين، فيما ينوي هادي تخليدها حتى لو بالحديث عنها لأبنائهما في المستقبل "هي رحلة مليئة بالمطبات والآلام، لكنها رسالة لكل الأسرى إنه مازال هناك أمل، وهناك من يشاركونا همومنا ومشاعرنا، الأحزان وأيضًا الأفراح".

    إعلان

    إعلان

    إعلان