إعلان

"كارثة إنسانية".. إسرائيل تقطع إمدادات المياه عن قطاع غزة

كتب : مصطفى الشاعر

03:18 م 03/09/2026

قطاع غزة

تابعنا على

يواجه قطاع غزة أزمة إنسانية جديدة بعدما قطعت إسرائيل إمدادات المياه عن سكانه، لتُضيف "أزمة العطش ونقص مياه الشرب" إلى قائمة طويلة من الأزمات التي خلفتها الحرب، وسط مخاوف من تداعيات خطيرة على حياة المدنيين.

وفي التفاصيل، أوقفت شركة المياه الإسرائيلية "ميكوروت" إمدادات المياه إلى قطاع غزة، بالتزامن مع أزمة "متفاقمة" ضربت محطات تحلية المياه في إسرائيل، ما أدى إلى تفاقم أزمة نقص المياه التي يُعاني منها نحو مليون فلسطيني في القطاع، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف".

وبحسب صحيفة "هآرتس"، يأتي توقف الإمدادات في وقت تواجه فيه محطات تحلية المياه الإسرائيلية "اضطرابات" مرتبطة بارتفاع غير معتاد في عكارة مياه البحر المتوسط، وسط نقاش بين خبراء ومنظمات بيئية بشأن العوامل التي أدت إلى ازدهار الطحالب الدقيقة في البحر.

نقص المياه يفاقم الأزمة في غزة

يُمثّل تدفق المياه من إسرائيل نحو ثلث إمدادات المياه الحالية في قطاع غزة، بينما يعتمد باقي الإمداد على ضخ المياه الجوفية ومحطات تحلية المياه الموجودة داخل القطاع.

وأدى توقف الإمدادات الإسرائيلية إلى زيادة الضغوط على سكان غزة، في وقت تواجه فيه البنية التحتية للمياه والصرف الصحي أضرارا واسعة نتيجة الحرب، بحسب "هآرتس".

وكانت 5 من أصل 6 محطات لتحلية المياه في إسرائيل قد توقفت عن العمل يوم الثلاثاء للمرة الثانية خلال أيام، بعدما جعلت الزيادة "غير المعتادة" في عكارة مياه البحر المياه غير مناسبة لعمليات التحلية، ما أدى إلى فقدان نحو 80% من إمدادات المياه المحلاة في إسرائيل، وفق الصحيفة العبرية.

ومع تفاقم النقص، كثّفت المنظمات الإنسانية جهود ضخ المياه وتحليتها في غزة، بينما لم تبدأ الإمدادات القادمة من إسرائيل في العودة "جزئيا" إلا بعد ظهر الأربعاء.

أضرار واسعة للبنية التحتية في غزة

خلال الحرب، تعرّضت البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في قطاع غزة لأضرار "واسعة"، إذ تضررت أو دُمرت أو خرجت عن الخدمة معظم محطات التحلية والمضخات والآبار وشبكات المياه في القطاع.

وفي عام 2025، انهارت إمدادات المياه في غزة بشكل "شبه كامل"، ما دفع معظم السكان إلى الاعتماد على شاحنات المياه التي تشغلها منظمات الإغاثة.

وأصبح نقص المياه النظيفة أحد العوامل "الرئيسية" في تفاقم الأزمة الإنسانية داخل القطاع، خصوصا في "مخيمات النازحين"، وسط مخاطر متزايدة مرتبطة بانتشار الجوع والأمراض، وفقا لما أوردته "هآرتس".

مياه الصرف الصحي تُثير أزمة جديدة

ترى مجموعة من الخبراء والمنظمات البيئية، وفق "هآرتس"، أن مياه الصرف الصحي المتدفقة من غزة إلى البحر قد تكون أحد العوامل التي ساهمت في اضطراب عمل محطات التحلية الإسرائيلية.

وخلال فترة الحرب، أدى الانهيار "الكبير" في منظومة المياه والصرف الصحي إلى انخفاض كمية مياه الصرف الصحي التي تصل إلى البحر، إذ تراكمت كميات كبيرة منها بالقُرب من المناطق السكنية ومخيمات النزوح.

لكن بعد بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أُعيد تشغيل شبكة المياه في غزة بشكل "جزئي"، إلى جانب الضغوط الدولية على إسرائيل لاستئناف إمدادات المياه إلى القطاع، ما أدى إلى زيادة كمية المياه المتاحة للسكان وبالتالي ارتفاع حجم مياه الصرف الصحي المتدفقة إلى البحر.

كما ساهمت شاحنات الصهاريج العاملة في غزة في "زيادة التدفق"، بعدما تولت ضخ مياه الصرف الصحي من خزانات التجميع وتصريفها في البحر.

تحذيرات بيئية تجاهلتها إسرائيل

وفي نوفمبر الماضي، حذّرت منظمة "إيكوبيس الشرق الأوسط" البيئية، مركز التنسيق المدني العسكري الأمريكي، من أن التلوث البحري قبالة سواحل غزة "قد يمتد تأثيره إلى إسرائيل".

وقالت المنظمة، في بيان، إن التحذيرات ركّزت على ضرورة التعامل مع أزمة الصرف الصحي في غزة باعتبارها "مشكلة بيئية تتجاوز الحدود"، مشيرة إلى أن معالجة البنية التحتية للصرف الصحي كان ينبغي أن تكون من الأولويات بعد وقف إطلاق النار.

وأضافت المنظمة، في بيانها، أن سلطة المياه الإسرائيلية دعمت موقفها، لكن مسؤولين حكوميين تجاهلوا التحذيرات، مؤكدة أن التلوث البحري "لا يعترف بالحدود السياسية".

اليونيسف تحذّر من مخاطر التلوث

تُجري حاليا جهود داخل غزة لمعالجة أزمة الصرف الصحي، إذ أعلنت اليونيسف أنها تعمل مع شركائها على مدار الساعة لإعادة تشغيل محطة معالجة مياه الصرف الصحي في الشيخ عجلين، والتي كانت تخدم نحو 700 ألف شخص في جنوب غزة قبل تعرضها لأضرار خلال الأعمال القتالية.

وتابعت المنظمة، أن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في غزة توقفت عن العمل نتيجة الأعمال العدائية، بينما خرج نحو 70% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي عن الخدمة.

وأشارت اليونيسف، إلى أن أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي غير المعالجة تُصرف يوميا في البيئة، ما يزيد مخاطر انتشار الأمراض والتلوث.

وحذّرت المنظمة، من ضرورة السماح بدخول المعدات اللازمة لإعادة تأهيل البنية التحتية للصرف الصحي إلى قطاع غزة، بما في ذلك "المولدات وأنظمة الطاقة الشمسية"، لضمان الحد من وصول مياه الصرف الصحي إلى البحر.

وتمنع إسرائيل حاليا دخول بعض هذه المعدات إلى القطاع، بدعوى إمكانية استخدامها من جانب حركة "حماس" لتعزيز قدراتها العسكرية.

الطحالب الدقيقة تعطل محطات التحلية

بدأت أزمة محطات تحلية المياه الإسرائيلية يوم الإثنين الماضي، بعد ارتفاع "مُفاجئ" في عكارة مياه البحر الأبيض المتوسط، وهي ظاهرة ترتبط بوجود كميات كبيرة من الجزيئات الدقيقة في المياه.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، وفق "هآرتس"، يُرجّح أن يكون السبب الحالي مرتبطا بزيادة الطحالب المجهرية، التي يُحتمل أن يكون مصدرها المياه القريبة من مصر.

وتستطيع هذه الطحالب المرور عبر بعض مرشحات محطات التحلية، لكنها قد تتسبب في انسداد أجزاء داخلية من المحطات، ما يُعطّل عمليات معالجة مياه البحر.

ولا يزال الخبراء الذين يبحثون في أسباب ازدهار الطحالب "غير متأكدين" من وجود صلة مباشرة بين الظاهرة والتلوث القادم من غزة، إلا أن عددا منهم لم يستبعد هذا الاحتمال، بحسب الصحيفة العبرية.

دلتا النيل نقطة البداية

أظهرت صور أقمار صناعية حللتها شركة "ساتالايز"، أن ازدهار الطحالب بدأ في منطقة دلتا النيل، على ما يبدو بسبب نوع من الطحالب حملته تيارات النهر إلى البحر.

لكن علماء تحدثوا إلى "هآرتس"، قالوا إن المغذيات التي تصل إلى البحر مع مياه الصرف الصحي المتدفقة من غزة ربما ساهمت في زيادة هذا الازدهار "غير المعتاد"، وربما ساعدت في تحرك الطحالب شمالا من سواحل سيناء باتجاه إسرائيل.

وقال آدي رونين، من شركة "ساتالايز"، إن الطحالب تحتاج إلى مواد عضوية لتتغذى عليها، وإن مياه الصرف الصحي يُمكن أن تُوفر هذه المواد، لكنه شدد على أن ذلك لا يعني وجود علاقة مؤكدة بنسبة 100%.

تغير المناخ يزيد من تعقيد الأزمة

أشار البروفيسور الفخري جاك جيلرون، من معهد زوكربيرج لأبحاث المياه في جامعة بن جوريون في النقب، وفق "هآرتس"، إلى أن عدة عوامل ربما اجتمعت معا وأدت إلى هذه الاضطرابات.

وأوضح البروفيسور جيلرون، أن الظاهرة بدأت مع انتشار "الطحالب الدقيقة" عند مصب النيل، قبل أن تُساعد تيارات البحر والظروف الجوية في دفعها باتجاه السواحل الإسرائيلية.

وأضاف جيلرون، أن ارتفاع درجة حرارة مياه البحر يُمثّل "عاملا إضافيا"، إذ يُؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة سرعة نمو الطحالب، إلى جانب مياه الصرف الصحي غير المعالجة قُرب غزة، والتي تحتوي على مغذيات يُمكن أن تُغذي الطحالب وتُساعد على تكاثرها.

من جانبها، قالت الدكتورة تمار غاي حاييم، الباحثة في معهد إسرائيل لأبحاث علوم المحيطات والبحيرات، إن تحديد مصدر واحد للظاهرة "لا يزال أمرا صعبا".

وأوضحت الباحثة، بحسب "هآرتس"، أن ازدهار الطحالب لم يبدأ على طول الساحل الإسرائيلي أو في غزة، وإنما في مناطق أبعد جنوبا، لكنها لم تستبعد وجود مساهمات إضافية من المياه الغنية بالمغذيات القادمة من مصادر مختلفة.

تحذيرات من استمرار تلوث البحر

يتفق الدكتور يوفال أربيل، الناشط في مجال حماية السواحل والبحار في منظمة "زالول" البيئية، مع هذا التقييم، مشيرا إلى أن بدء ازدهار الطحالب قبالة السواحل المصرية لا يستبعد مساهمة مياه الصرف الصحي القادمة من غزة في تفاقم الظاهرة.

وحذّر أربيل، من أن استمرار تصريف مياه الصرف الصحي في البحر، بالتزامن مع ارتفاع درجات حرارة المياه بسبب تغير المناخ، يُمكن أن يُشجع نمو الطحالب الدقيقة وانتشارها في المنطقة.

وأشار الناشط، إلى أن تغير المناخ يزيد من حدة هذه الظواهر ويجعل الأحداث المتطرفة "أكثر تكرارا"، محذّرا من أن عدم معالجة مياه الصرف الصحي في غزة قد يُؤدي في نهاية المطاف إلى انعكاسات مباشرة على إمدادات المياه في إسرائيل، وفق "هآرتس".

ظاهرة غير مسبوقة تُثير قلق العلماء

يُرجّح العلماء، بحسب الصحيفة العبرية، أن الظروف الجوية غير المعتادة التي شهدتها المنطقة خلال عطلة نهاية الأسبوع ساهمت أيضا في دفع الطحالب شمالا، بينما يُعتقد أن ارتفاع درجة حرارة البحر المتوسط بصورة "غير معتادة"، نتيجة لتغير المناخ، ساهم بدوره في تكاثرها بشكل استثنائي.

ويعمل باحثون في معهد إسرائيل لأبحاث علوم المحيطات والبحيرات على "تحديد التسلسل الجيني للطحالب"، في محاولة لفهم أصولها بصورة أفضل وتحديد أسباب انتشارها، وفق "هآرتس".

وقال أور بياليك، الباحث في المعهد، إنه لم يُشاهد ظاهرة مماثلة خلال سنوات عمله في البحر المتوسط، موضحا أنه خرج مساء الثلاثاء على متن قارب لجمع عينات من منطقة ساحل بالماتشيم.

وأشار بياليك، بحسب الصحيفة العبرية، إلى أن المياه بدت خضراء اللون، وأن مستوى العكارة كان مرتفعا إلى درجة تعذر معها رؤية المعدات على عُمق نصف متر، مضيفا أن الباحثين شاهدوا أيضا بعض الأسماك النافقة تطفو على سطح المياه.

أزمة تتجاوز حدود غزة وإسرائيل

تكشف أزمة المياه والتحلية عن تداعيات بيئية وإنسانية "متشابكة" للحرب، إذ أدى تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة إلى تفاقم أزمة المياه داخل القطاع، بينما تُثير مياه الصرف الصحي المتدفقة إلى البحر مخاوف بشأن تأثيراتها المحتملة على البيئة البحرية ومحطات التحلية الإسرائيلية.

وفي ظل استمرار البحث عن الأسباب الدقيقة لازدهار الطحالب، يظل حجم مساهمة مياه الصرف الصحي القادمة من غزة في الظاهرة "غير محسوم" علميا حتى الآن، فيما تتزايد الدعوات إلى معالجة أزمة الصرف الصحي في القطاع باعتبارها مشكلة إنسانية وبيئية قد تمتد آثارها إلى المنطقة بأكملها.

ولم ترد وزارة الطاقة والبنية التحتية الإسرائيلية حتى الآن على طلبات التعليق بشأن أزمة محطات التحلية وتداعياتها.

وهكذا، تُضاف أزمة المياه إلى سلسلة الأزمات التي يعيشها قطاع غزة، لتُصبح معاناة السكان مع أبسط مقومات الحياة "أكثر قسوة"، إذ مع استمرار قطع الإمدادات وتدهور الخدمات، تبدو الحاجة إلى تحرك عاجل "أكثر إلحاحا" لمنع تحول الأزمة إلى كارثة إنسانية وصحية واسعة.

Alternate Text

تابع آخر أخبار مصراوي على Google News

فيديو قد يعجبك