لماذا تتغاضى حكومة الاحتلال الإسرائيلي عن عنف المستوطنين بالضفة؟
كتب : محمود الطوخي
المستوطنين الإسرائيليين
تفرض الاعتداءات المتكررة حصارا خانقا على أهالي قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة، حيث بات السكان محاصرين داخل منازلهم إثر التهديدات المستمرة التي تشكلها المجموعات الاستيطانية المسلحة في محيط بلدتهم.
حصار الأهالي ومظاهر عنف المستوطنين في قصرة
يقف جيش الاحتلال الإسرائيلي عاجزا عن كبح جماح المستوطنين وتأمين محيط القرية التي لا تبعد سوى 60 دقيقة عن تل أبيب.
أثارت هذه التطورات موجة انتقادات حادة من جانب الإدارة الأمريكية، بصفتها الداعم الأكبر لإسرائيل بمليارات الدولارات من المساعدات العسكرية، مدفوعة بكون أحد البيوت المستهدفة مملوك لمواطن أمريكي من أصل فلسطيني يقيم في ولاية أوهايو.
تجلت حدة الموقف الأمريكي في تصريح السفير مايك هاكابي الذي وصف هؤلاء المستوطنين بـ"الإرهابيين"، بينما اتجه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى التهوين من خطورة تحركاتهم عبر تصويرهم كمجموعات متطرفة معزولة تعرف باسم "فتية التلال".
استراتيجية التوسع ودوافع عنف المستوطنين في قصرة
لا تنفصل ممارسات المستوطنين الميدانية عن استراتيجية استيطانية كبرى ترعاها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وحصلت على دفعات قوية في ظل الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو لفرض وقائع أحادية تقوض فرص قيام دولة فلسطينية.
تعود جذور الاستيطان إلى حرب عام 1967 حين احتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، وهي الرقعة الجغرافية المعترف بها دوليا لإقامة الدولة الفلسطينية.
شهدت العقود اللاحقة بناء نحو 150 مستوطنة يقيم بها ما يزيد على نصف مليون مستوطن إسرائيلي، وتحولت العديد من هذه التجمعات إلى ضواحي حضرية متكاملة تشتمل على منشآت سكنية وتجارية وصناعية ومساحات ترفيهية.
شيد المستوطنون مئات البؤر العشوائية دون ترخيص حكومي رسمي، غير أنها حظيت عمليا بحماية أمنية وتغطية خدمية منتظمة من قبل جيش الاحتلال وأجهزة الدولة.
تباهت حكومة نتنياهو، المصنفة كأكثر الحكومات تشددا في تاريخ إسرائيل، بإنشاء أكثر من 100 مستوطنة جديدة، وشارك وزراء في الائتلاف، تزامنا مع حصار قصرة يوم الخميس، في احتفال إعادة تأسيس مستوطنة كانت قد أخليت عام 2005 إبان الانسحاب من قطاع غزة.
وتستند السياسة الإسرائيلية السائدة إلى اعتبار الضفة الغربية إرثا تاريخيا وتوراتيا للشعب اليهودي وحاجة أمنية حيوية، في تعارض صريح مع الإجماع الدولي الذي يعد المستوطنات كافة غير شرعية وعقبة جوهرية في طريق السلام.
المنظومة القضائية المزدوجة في الضفة الغربية
يخضع نحو 3 ملايين فلسطيني في الضفة الغربية للحكم العسكري الإسرائيلي المباشر واقتحامات جيش الاحتلال المتواصلة، بينما تدير السلطة الفلسطينية حكما ذاتيا محدودا داخل التجمعات السكانية، مع استمرار استخدام الاعتقال الإداري لاحتجاز الفلسطينيين المشتبه بهم دون توجيه لوائح اتهام رسمية لفترات تمتد أشهرا وسنوات.
يتمتع المستوطنون في المقابل بكامل حقوق المواطنة الإسرائيلية، وتخضع قضاياهم حصرا للشرطة المدنية والمحاكم القضائية العادية داخل إسرائيل.
أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس في عام 2024 وقف سريان أوامر الاعتقال الإداري بحق المستوطنين المتورطين في أعمال عنف، معلنا يوم الجمعة خطة لنقل صلاحيات ملاحقة المستوطنين إلى جهاز الشرطة بشكل كامل.
وأكد كاتس أن مهام جيش الاحتلال تنحصر فيما وصفه بـ"مكافحة الإرهاب الفلسطيني التركيز على حماية الحدود والمستوطنات ضد التهديدات، وليس ملاحقة فتية التلال".
وفقا لوكالة "أسوشيتد برس"، يكرس هذا التوجه نظامين قانونيين متباينين على أساس قومي في الرقعة الجغرافية نفسها، وهو ما تصفه كبرى المنظمات الحقوقية العالمية بنظام الفصل العنصري، وهو توصيف ترفضه إسرائيل بصورة قاطعة.
تتبع الشرطة الإسرائيلية إشراف وزارة الأمن القومي بقيادة إيتمار بن غفير، وهو مستوطن متشدد سُجلت بحقه 8 إدانات جنائية سابقة من بينها دعم منظمة إرهابية، وعمل محاميا للدفاع عن المتطرفين اليهود قبل انخراطه في السياسة.
السياسات الميدانية والمواقف من عنف المستوطنين في قصرة
يصف جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءات المستوطنين في بلدة قصرة بأنها "غير قانونية ومرفوضة ولا يمكن قبولها"، مؤكدا إزالة بؤرتين عشوائيتين وتوقيف مستوطن إسرائيلي واحد لفرض سيادة القانون.
في المقابل، تشير المنظمات الحقوقية إلى أن القوات العسكرية توفر الحماية للمستوطنين وتتغاضى عن اعتداءاتهم، حيث كشفت منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية أن 94% من التحقيقات المفتوحة منذ عام 2005 أغلقت دون توجيه اتهامات، ولم تفض سوى 3% منها إلى إدانات قضائية.
وذكرت وكالة "رويترز" نقلا عن مسؤول أمريكي وآخر إسرائيلي، أن البيت الأبيض يضغط على نتنياهو لإدانة عنف المستوطنين في قصرة علنا.
وتصاعدت وتيرة هجمات المستوطنين عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 وحرب غزة، ما دفع إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن في العام التالي إلى توقيع عقوبات ضد أفراد وجمعيات استيطانية متورطة في الاعتداءات.
وقد فرضت حكومات غربية إضافية عقوبات على بن غفير وسموتريتش على خلفية التحريض المباشر على العنف بحق المدنيين الفلسطينيين، غير أن فاعلية تلك العقوبات ظلت محدودة في ظل الالتفاف الداخلي لحركة الاستيطان حول المشمولين بالقرارات.
سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع انطلاق ولايته الرئاسية الثانية إلى إلغاء العقوبات الأمريكية، واختار مايك هاكابي وهو مؤيد متحمس للاستيطان، سفيرا لواشنطن لدى إسرائيل.
واصل ترامب النهج الداعم لمطالب اليمين الإسرائيلي بعدما كسر ثوابت السياسة الأمريكية في ولايته الأولى عبر الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها ودعم السيطرة على الأراضي المحتلة.
يعتمد نتنياهو على دعم بن غفير وسموتريتش وقادة الحركات الاستيطانية للبقاء في السلطة عقب انتخابات أكتوبر المقبلة، بالتوازي مع حرصه على استمرار الشراكة الوثيقة مع إدارة ترامب.
تتبنى النخبة السياسية الإسرائيلية بمختلف أطيافها، بالرغم من انتقاد المعارضة لمظاهر الفوضى، موقفا موحدا يدعم توسيع المستوطنات ويرفض رفضا تاما الاعتراف بدولة فلسطينية.
انتقد القائد العسكري السابق غادي آيزنكوت، المنافس البارز لنتنياهو، تقاعس السلطة التنفيذية في قصرة معتبرا إياه إضعافا للقيادات الأمنية "في مواجهة الفوضى والانتهاك العنيف للقانون من قبل أقلية متطرفة"، معلنا رفضه لضم الضفة،
وأكد آيزنكوت في الوقت نفسه لوسائل الإعلام الإسرائيلية أنه "لم يتحدث قط عن دولة فلسطينية" ويدعم المستوطنات المتوافقة مع المصالح القومية.
وأدان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت مظاهر العنف واصفا إياها بـ"الإرهاب" الصادر عن قلة متطرفة، مشددا على وجوب اجتثاث الممارسات العنيفة ذاتيا دون انتظار الضغوط الأمريكية بحكم إيمانه بالمشروع الاستيطاني، ومذكرا بأن حكومته السابقة صدقت على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة.
تابع آخر أخبار مصراوي على Google News