محمد الضيف ورحلة الأيام الأربعة.. كيف قضى "شبح القسام" شهوره الأخيرة؟
كتب : محمود الطوخي
محمد الضيف
شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية في 13 يوليو 2024، هجوما مكثفا استمر نحو 3 دقائق، أسقطت خلاله أطنان من المتفجرات على أرض مفتوحة تضم مبنى صغير في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة.
أثار حجم القصف منذ اللحظة الأولى تكهنات بأن الهدف ذو أهمية عسكرية بالغة.
ولم تمض سوى ساعات قليلة حتى أعلنت إسرائيل أن المستهدف بالهجوم هو القائد العام للجناح العسكري لحركة حماس "كتائب القسام" محمد الضيف.
لكن حركة حماس، نفت الإعلان الإسرائيلي آنذاك، مؤكدة أن الموقع المستهدف لم يكن سوى ملجأ للنازحين الذين فروا من مناطق مختلفة في القطاع.
لم يدم الأمر طويلا؛ فبعد قرابة 6 أشهر وفي يوم 30 يناير 2025، أقرت كتائب القسام بأن المستهدف في الهجوم كان قائدها محمد الضيف الذي استشهد رفقة نائبه مروان عيسى، وقائد لواء خانيونس رافع سلامة وعدد من القادة الآخرين.
تفاصيل نفي حماس الأولي وكواليس اغتيال محمد الضيف
كشفت 3 مصادر من حركة حماس لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية، أن النفي الإعلامي الأولي لخبر استشهاد الضيف استند إلى معلومات لدى غالبية قيادات الحركة، والتي كانت تعتقد بوجوده في مدينة غزة شمالي القطاع وليس في جنوبه.
مع ذلك، أوضحت المصادر أن قيادات محددة في حماس كانت تعلم بتواجد الضيف في الجنوب لكن دون القدرة على تحديد موقعه الفعلي.
ويُرجح أن نفي بعض المسؤولين اعتمد على افتراض تواجده داخل أحد الأنفاق.
وأكد أحد المصادر أن القائد العام لكتائب القسام لم يلجأ إلى الأنفاق منذ بداية الحرب إلا في حالة واحدة اضطرارية، فيما يعود الموقع المستهدف في الأصل إلى رافع سلامة قائد لواء خان يونس الذي ارتقى في الغارة نفسها مع عدد من أبنائه ورجال الأمن القساميين.
رحلة تخفي وتحركات محمد الضيف
تحدثت المصادر بمناسبة مرور عامين على الحادث لتكشف تفاصيل ملاحقة إسرائيل له وتحديد هويته.
وأكد مصدران يقيمان في غزة واطلعا على معلومات قدمها مقربون من محمد الضيف أنه كان يتواجد بالفعل في مدينة غزة مع انطلاق هجوم السابع من أكتوبر 2023 عملية "طوفان الأقصى".
مكث محمد الضيف في مدينة غزة، وغادرها قبل أيام قليلة من سيطرة إسرائيل الكاملة على محور نتساريم، قبل أن يسلك طريق الرشيد الساحلي الذي ظل مفتوحا لأكثر من أسبوعين إضافيين مقارنة بطريق صلاح الدين الشرقي الذي سارعت القوات الإسرائيلية لاحتلاله وإغلاقه مبكرا.
وغادر الضيف مدينة غزة بمفرده ودون اصطحاب حراسته الخاصة متوجها نحو مدينة رفح في الجنوب مع بداية شهر نوفمبر لعام 2023.
وكشف مصدر مطلع من حركة حماس أن بعض قادة كتائب القسام، ومن بينهم عز الدين الحداد الذي تولى بعد ذلك قيادة القسام قبل أن تقتله إسرائيل في مايو الماضي، نصحوا الضيف بالبقاء في مدينة غزة مؤكدين قدرتهم على تأمينه وحمايته رغم الملاحقة الواسعة، غير أنه فضل الانتقال نحو الجنوب لمتابعة العمليات الميدانية وإدارة المعارك ومواكبة المفاوضات السياسية التي لم تكن قد بدأت بعد.
وتسبب انقطاع قنوات الاتصال المعتادة في فقدان التواصل مع محمد الضيف لأكثر من 4 أيام، بعدما تعذر لقاؤه بالوسيط الذي كان من المفترض أن ينتظره لنقله إلى موقع آمن، ما أجبره على السير نحو عمق الجنوب باتجاه مدينة رفح.
خلال هذه الأيام، لم يتمكن الضيف من العثور على أي وسيلة للوصول إلى مواقع كتائب القسام الآمنة.
ونظرا لغياب صورته الحديثة لدى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وعدم معرفة الجمهور الفلسطيني بملامحه، تمكن محمد الضيف من النوم في شوارع رفح وفي أحد مساجدها لمرة واحدة دون أن يتعرف عليه أحد، وسط وجود أكثر من مليون و300 ألف نازح في المدينة.
تعقب المخابرات الإسرائيلية وصور محمد الضيف
استمرت رحلة التخفي حتى تمكن أحد النشطاء الميدانيين في كتائب القسام من التعرف عليه بشكل مفاجئ، فقام بنقله إلى مكان آمن ثم إلى خانيونس، حيث تولى وسيط آخر نقله إلى موقع رافع سلامة، ليتنقلا معا بين عدة مواقع قبل استقرارهما في المبنى الذي استهدفته إسرائيل.
ورغم جولات الضيف السابقة لزيارة المواقع العسكرية، عجزت المخابرات الإسرائيلية لسنوات طويلة عن رسم صورة حقيقية له، واقتصرت معلوماتها على كونه يعاني من بتر في القدم أو يعاني إصابة شديدة في اليد أو القدم.
وأوضح مصدر أن محاولات جرت في وقت سابق لإخراجه من القطاع لتلقي العلاج بهوية مزورة بعد إصابته البالغة في حدثين لكنها لم تنجح لرفضه المغادرة، بينما أشار مصدر آخر إلى احتمالية خروجه للعلاج لفترة قصيرة وعودته من جديد، وهو ما لم تؤكده بقية المصادر.
ولم تتوصل إسرائيل إلى تفاصيل حالته الصحية وصورته الدقيقة إلا بعد عثور قواتها المتوغلة داخل مواقع في عمق القطاع على وثائق وصور ومقاطع مصورة لمناسبات اجتماعية تخص قادة كتائب القسام كان يشارك فيها محمد الضيف.
وحللت المخابرات الإسرائيلية تلك الصور واستخدمت تقنيات الذكاء الاصطناعي مضافا إليها عينات من صوته المسجل خلال التحضير لهجوم السابع من أكتوبر، كما وزعت الصور على مئات المتعاونين معها، ما مهد الطريق لتعقبه وتحديد موقعه وتنفيذ عملية اغتيال محمد الضيف.