المكان أنبت جائزة المنامة .. والزمان يستدعيها
أطلقت البحرين جائزتها للتعايش والتسامح باسم عاهلها الملك حمد بن عيسى، فجاءت وكأنها الفاكهة تنزل الأسواق في موسمها فلا تتأخر عنه ولا تتقدم، أو كأنها معه على موعد مضروب لا تتخلف عنه ولا تغيب.
وقد أبدع أهلنا في الشام حين لخصوا هذا المعنى في عبارة صارت مثلاً يردده الناس فقالوا: كل شيء في وقته حلو. والحلاوة هنا ليست بالطبع "حلاوة مذاق" ولكنها "حلاوة توقيت" يأتي فيه الشيء فيبدو كالشمس تطلع في توقيتها الصباحي الثابت فكأنهما قرينان، أو تذهب في آخر النهار فيبدو ذهابها نوعاً من الحضور.
شيء من هذا تجده في الجائزة التي تحمل اسم عاهل البحرين، والتي ارتفعت بقيمتها المادية إلى مليون دولار أمريكي، فكأنها تنازع جائزة نوبل للسلام في قيمتها رأساً برأس ورقماً برقم.
ولا تتجاوز قيمتها المادية التي ترتفع إلى هذا السقف، إلا قيمها المعنوية العالية التي تبشر بمعنيين اثنين، ثم تؤسس لهما على مستويين: التعايش والتسامح.
تأتي كفاكهة الصيف في وقتها، ولا دليل على ذلك أقوى من أن إطلاقها توازى مع مقطع من ڤيديو شاع وانتشر على مواقع التواصل وأثار ما أثار من السخط والغضب. ففيه كانت المذيعة تسأل المستوطن الإسرائيلي يهودا شيمون عما يرتكب هو وزملاؤه المستوطنون في حق الفلسطينيين أصحاب الأرض، وكان هو يجيب على سؤالها فيقول إن حياة اليهودي الواحد تساوي حياة عشرة ملايين فلسطيني، لا حياة فلسطيني واحد، ولا عشرة، ولا مائة، ولا حتى ألفاً أو عشرات الآلاف. قيل هذا بالصوت والصورة، وأُذيع، وانتشر، وسمعه العالم بأذنيه، ثم لم يذهب أحد ليأخذ المستوطن بما قال إلى العدالة.
وإذا كانت الجائزة تتبنى ثقافة التعايش والتسامح وتعمل على تعزيزها، فهي ثقافة تبدو غائبة عن العالم على امتداده، ولكن غيابها عندنا في المنطقة لم يتجسد في منظر، بمثل ما يتجسد في مقطع الڤيديو الذي يحمل حديث المستوطن المتمادي في كراهية التعايش والتسامح. ولا بد أن حديثه يعاقب عليه القانون الإنساني الفطري في العموم، لا القانون الدولي وحده، ولا القانون الجنائي في حدوده.. فما يقوله دعوة صريحة للقتل لا تتوارى ولا تتخفى وراء ستار!
هو يتحدث عن حياة اليهودي لا حياة الإسرائيلي، مع ما بين الاثنين من فارق، ومع ما سوف يلقاه حديثه من رفض مؤكد على مستوى يهود كثيرين حول العالم، يعيشون حيث يعيشون، ولا يجدون أنفسهم إسرائيليين، ويقفون ضد ما ترتكبه إسرائيل، ويخرجون ليعلنوا ذلك كلما وجدوا إلى الخروج سبيلاً، ولا يقبلون بالخلط بين اليهودي صاحب الديانة السماوية، وبين الإسرائيلي الذي انسلخ من مبادئ ديانته، ثم راح يتبنى عقيدة صهيونية ترتكب في حق الغير ما لا تُقره الديانة ولا توافق عليه.
ومن قبل المستوطن كان إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي في الحكومة الإسرائيلية، قد ألح في دعوة حكومته علناً إلى قتل ثلاثين أو أربعين فلسطينياً في قطاع غزة كل يوم!
ومن بعد المستوطن والوزير كان عضو في الكنيست الإسرائيلي قد أخذ معولاً، ثم انهال على نصب تذكاري للشهداء الفلسطينيين في الضفة، فلم يتركه إلا حطاماً وركاماً، وكأنه من أهل التطرف الذين انهالوا على تماثيل الفن في أفغانستان، فلم يغادروها إلا وقد صارت تراباً أو كالتراب!
هذه نماذج ثلاثة رآها الناس رأي العين، وأحسوا بأنه لا شيء يقدر على نزع فتيلها إلا حضور ثقافة التعايش، وإلا ترسيخ ثقافة التسامح، ولا شيء سوف يستدعي هاتين الثقافتين إلا تشجيعهما، ولا شيء سوف يشجعهما إلا إغراء المؤمنين بهما بأن ينقلوا إيمانهما من خانة الإيمان إلى مربع العمل بهما على الأرض. فالتعايش ليس كلمة تقال، ولكنه حياة تُمارَس في دنيا الناس، والتسامح ليس شعاراً نرفعه، ولكنه جهد نبذله وعمل نقدمه. وهذا بالضبط ما تراهن عليه الجائزة، وتراه أمامها متحققاً كما يرى المرء خطوط الكفين في يديه.
وليست الجائزة عملاً في وقته وفقط، ولكنه عمل في مكانه أيضاً، فالمنامة كانت هي التي فتحت فضاءها لحوار بين الأديان حضره الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، والبابا فرنسيس الأول، بابا الڤاتيكان الراحل، وكانت هي التي أصدرت "إعلان مملكة البحرين 2017" داعيةً به إلى حرية الدين والمعتقد ورفض التطرف والكراهية.
هذه جائزة أنبتها مكانها واستدعاها زمانها، وما كان زمانها إلا ليستدعيها وهو الشاهد على وقائع عضو الكنيست والمستوطن والوزير، وما كان مكانها إلا لينبتها وهو الذي استقبل البابا والإمام.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع