ما وراء الفوز الصاخب
اللافت في فوز الطبيب المصري عبد الرحمن السيد في انتخابات ولاية ميشيجان الأمريكية، أنه أثار الصخب في الولايات المتحدة وخارجها، رغم أن الفوز هو في انتخابات تمهيدية للكونجرس لا انتخابات نهائية، ورغم أن الولاية التي فاز فيها هي واحدة من بين خمسين ولاية!
الموضوع بهذا المعنى نقطة في بحر تقريبًا، ولكن هذه النقطة في هذا البحر، جعلت أمواجه تعلو وتهبط بقوة وكأننا أمام تسونامي يكاد يفيض على الشاطئين!
هو نقطة في بحر لأن مرشحًا فائزًا في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ مثل عبد الرحمن السيد، ليس في النهاية سوى نائب من بين مئات النواب في الكونجرس، أو سيناتور من بين مائة سيناتور، هم مجمل عدد أعضاء مجلس الشيوخ. هذا بالطبع لو كتب الله له أن يفوز في السباق النهائي حين يأتي موعده في نوفمبر المقبل.
لنفترض أنه فاز في سباق نوفمبر البرلماني الذي لا يخشى الرئيس ترمب شيئًا قدر ما يخشى حصيلة حزبه الجمهوري فيه. لنفترض فوزه وانتقاله من مرشح فائز في انتخابات تمهيدية إلى مرشح فائز في سباق نهائي. ماذا سيفعل عندئذ تحت قبة الكونجرس بمجلسيه؟ وماذا في دنيا الولايات المتحدة سوف يتغير بدخوله إلى هناك؟
القصة بالطبع لها أكثر من بُعد، وهي مُركبة وليست بسيطة كما قد تبدو عند الإجابة المتسرعة على السؤال السابق.
واحد من أبعادها أن وجود نائب قوي في برلمان أي بلد، يمكن أن يقض مضجع الحكومة بكاملها في هذا البلد، ويمكن أن يؤرق منام أهل الحكم. ولتقريب الصورة أكثر، فإن علينا أن نقارن بين مجلس شيوخ عبد الرحمن هذا، وبين مجلس الشعب في مصر أيام الرئيس السادات وفي بدايات أيام مبارك، فالمقارنة مع الفارق طبعًا سوف تُظهر لنا أن الحكومة بكامل هيئتها يمكن أن تحتشد في سبيل ألا يمر نائب بعينه إلى قاعة البرلمان، لا لشيء، إلا لأنها تعرف معنى وجوده هناك، وعواقب مروره إلى مقاعد النواب تحت القبة.
حدث شيء من هذا في القاهرة أيام السادات، ورأينا برلمانًا بكامله تُعاد انتخاباته من أجل ألا يكون من بين نوابه المرشح فلان بالذات!
كنا نتابع ذلك في مصر ويدهشنا أن يكون "شخص بطوله" كما يقال، سببًا في إثارة القلق لدى حكومة مكتملة، بل وأحيانًا لدى نظام حكم مستقر في مقاعده، ولم يكن الأمر يستدعي الدهشة إذا ما أخذناه على مضمونه الحقيقي الذي يقول، إن البرلمان هو سلطة التشريع والرقابة على أعمال الحكومة في أي بلد، وأن وجود نائب واحد يقظ وصاحب ضمير حُر في البرلمان، كفيل وحده بأن يجعل مقاعد الحكومة تهتز من تحتها.
وإذا كان هناك ما يؤخذ على عبد الرحمن بسبب مواقف له تجاه بلده الأم، فالأمل أن يفهم أن المصري يقبل أن ينتقد حكومة بلاده في داخل البلد وبقوة، بل ويدعو إلى انتقادها إذا وجد ما يبرر الانتقاد، ولكنه المصري نفسه لا يقبل مساسًا بها من خارج البلد، وبالذات إذا كان المساس على يد مصري شرب من النيل.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع