وصف مصر في القرن السابع عشر
تعد كتابات جوفني ميكيله فنسلبيو أو الأب فانسليب (1635-1679م) مصدرًا مهمًا من مصادر التاريخ القبطي، حيث كانت رحلته الأولى إلى مصر عام 1664-1665 والتي وضع بعدها كتابًا عن تاريخ الكنيسة القبطية نشره عام 1677 تحت عنوان "تاريخ كنيسة الإسكندرية".
ويمكن للمهتمين أيضًا العودة إلى كتاب الأب فانسليب بعنوان "تقرير الحالة الحاضرة لمصر 1671م" الذي صدر عن المجلس الأعلى للثقافة عام 2006، وترجمه إلى اللغة العربية الأب وديع عوض الفرنسيسكاني، وقدَّمه د. محمد عفيفي رئيس قسم التاريخ بآداب القاهرة.
في هذا الكتاب، لا يفوت الرحالة الحديث عن أنواع الثمار والأشجار، فيقول إن "النخلة هي الأكثر انتشارًا بين الأشجار، ومنها أحراش ممتدة، وثمارها من كل نوع؛ كالبلح الأحمر، والطويل، والأحمر المدبب، والبلح الأصفر، وأنواع أخرى برية كثيرة، أفضل ]أنواع[ البلح الجاف يأتي من "الواح" ]الواحة الخارجية، أو الخارجة[، وهي أرض في مصر العليا".
يتحدّث أيضًا عن النبق، وشجرة القرفة، والجميز، والتين، والرمان، والتوت الأسود، والأبيض، والليمون، والبرتقال، "وشجر الأرز بأعداد كبيرة، لكن أفضلها أشجار فُوة ورشيد، ولا تخلو أشجار الزيتون، والدُّراق، والمشمش، لكنها ليست حسنة المذاق كأثمار إيطاليا".
عن عدد جنود مصر ونوعيتهم، يقول: "ينقسم جيش مصر كله إلى سبع فِرق ]أوجاقات[، على رأس كل منها آغا؛ وهي التالية: الفرقة الأولى "السباهية"، والثانية "الإنكشارية"، والثالثة "العزبان"، والرابعة "الجاوشية"، والخامسة "المتفرقة"، والسادسة "الجيباجية"، "والسابعة "الطُبجية".
يُذكَر أن الأب فانسليب كان على علاقة طيبة بالبابا متاؤس (متّى) الرابع البطريرك الـ102 (1658-1675 م).
يذكر فانسليب أنه "بوسع الأغنياء أن يرتدوا ما يشاؤون، باستثناء اللون؛ حيث إنه غير مسموح، لا للمسيحيين ولا لليهود اللون الأخضر، ولا الشريط الأخضر، أو أي شريط مهما صغر، أو أي قطعة مماثلة، وإلا فالعقوبة قاسية؛ لكون هذا اللون هو اللون الخاص بالأتراك ]المسلمين[. ويُمنَع المسيحيون كذلك من ارتداء "الاسقرلاط" ]اللون القرمزي[، إلا القناصل، الذين يرتدون وحدهم دائمًا ملابس بهذا اللون".
وعن بعض عادات المصريين، يقول: "تُعد الحمامات واحدة من أجمل معالم البلد؛ لأن جميع الشرقيين يغتسلون مرارًا، وهذه واحدة من عاداتهم الأكثر شيوعًا، وكذلك لأن هذه البنايات لافتة للنظر أكثر من أي بناء آخر".
زار هذا الرحالة في زيارته الأولى الأهرامات، وذلك بتاريخ 3 أكتوبر 1664، ويقول عنها: "بين جميع بنايات مصر وأشهرها، والتي لم تمسها عوائد الزمن الأهرامات، وهي بحق أهمها، وأعجبها، ذات العرض والطول المتناهيين، والبنية العجيبة، حتى أن كل من يتأملها يبقى مذهولًا".
زار فانسليب أيضًا أماكن أخرى في القاهرة، ومنها جامع الأزهر الذي يصفه بأنه "يبدو كأنه عالم صغير؛ لأننا نجد فيه كل نوع من أمم العالم"، و"يعيش من دخله دائمًا ثمانمئة شخص في كل وقت، سواء في الملبس، أو في المأكل، وللجميع مسكنهم. غير أنه لا يُسمَح لأي مسيحي أن يدخله بدون تصريح خاص من المفتي الأول".
كما قدَّم في رحلته الأولى صورة الأقباط والأماكن التي زارها والكثير من الحوادث في الكنيسة القبطية آنذاك.
في الدلتا، زار دير القديسة دميانة (جميانة)، وفي الصعيد وصل إلى منفلوط، وزار دير المحرّق، ومنها عاد إلى القاهرة. لم يذهب فانسليب جنوبًا أبعد من جرجا، كان يسمع عن إسنا، وقد خلط بينها وبين أسوان.
في الرحلة الثانية عام 1672-1673م وضع كتابًا بعنوان "علاقات جديدة في شكل يوميات للسياحة في مصر". زار مناطق في القاهرة، وكتب سطرًا واحدًا جاء فيه "في دقادوس كنيسة السيدة العذراء".
وزار أيضًا رشيد، وتوجه صوب الإسكندرية، وزار ملّاحات السيد الأعظم (يرد هذا التعبير كثيرًا في كتابات فانسليب، ويُقصد به سلاطين آل عثمان في القسطنطينية، ولا يستخدم فانسليب أبدًا تعبير "الباب العالي")، واعتبره أفضل ملح في العالم، ثم زار مسلّتَي كليوباترا، ويوم 21 يونيو شاهد عمود بُمبيوس، وكان قبل ثماني سنوات قد شاهده معتدلًا، ولكنه لاحظ هذه المرة انحرافه، وعزا السبب إلى حفر العرب أسفله، بحثًا عن الكنوز (وهي تهمة وُجِهت أيضًا إلى فانسليب نفسه)، وزار كذلك كهوف المقابر القديمة، ولعل المقصود بها مقابر كوم الشقافة، ثم عاد يوم 29 يونيو إلى رشيد عن طريق البحر هذه المرة (ص 22).
وبعد يوم من وصوله، عزم على التوجه إلى دير الأنبا مقار، وفي أثناء إبحاره إلى مدينة طرانة اضطر إلى استخدام السلاح للدفاع عن نفسه.
الشاهد أن الأب فانسليب في رحلاته إلى مصر زار الكثير من الأماكن مثل صعيد جرجا وبني سويف وكذلك سنورس بالفيوم وبعض الأديرة مثل دير السريان ودير الأنبا بيشوي، كما قدَّم وصفًا لبعض الأماكن التي زارها مثل دير القديسة دميانة ودير الخشب وسجل مشاهداته للأعمال الفنية التي رآها في رحلاته.
يوم 21 يوليو توجه لزيارة الفيوم ونواحيها كفيدمين وسنورس، وتعرّف على أسقفها، الأنبا ميخائيل، وكان يريد زيارة قصر قارون، أو قصر التيه "لابيرنت"، الذي كان يضم 365 حجرة، لكن لم يستطع بسبب الخوف من دخوله، وعدم معرفة سبيل الخروج منه.
بعد ذلك زار هرم هوّارة، ويتحدّث عن هرم اللاهون، بدون أن يكون قد شاهده. زار أيضًا دير الخشبة بعد إقامة 26 يومًا في منطقة الفيوم، وكان يود إكمال رحلته إلى الصعيد، ولكن بداية فيضان النيل أجبرته على العودة إلى القاهرة، يوم 17 أغسطس (ص 23).
وصل فانسليب إلى القاهرة في وقت فتح، أو قطع الخليج، مما دفعه للعودة إلى تصحيح معلومة كان قد أوردها من قبل، وهي أن قطع الخليج مناط بصوباشي القاهرة فقط، لا بالدور: مرة على المسلمين، ومرة على الأقباط، ومرة على اليهود، كما كان قد أخبر في كتابه الأول.
في القاهرة أيضًا، زار مجرى العيون، وداوم على زيارة صديقه البطريرك القبطي، الأنبا متّى الرابع.
يوم 26 سبتمبر بدأ فانسليب رحلة محفوفة بالمخاطر إلى دير الأنبا أنطونيوس (دير الأنبا بولا كان في ذلك الوقت مهجورًا من الرهبان، ويسكنه البدو الذين احتلوه)، وكادت هذه الرحلة تودي بحياته، لكنه استطاع الوصول إلى الدير، والعودة منه سالمًا إلى القاهرة يوم 23 أكتوبر بفضل شجاعته، ولكن بدون أن يتمكن من شراء أي شيء من الدير (ص 23).
في 24 فبراير 1673 أبحر فانسليب إلى الصعيد، بهدف الوصول إلى طيبة لمشاهدة آثارها العظيمة، وما بعدها حتى إسنا. نزل أولًا في منفلوط، ومن هناك توجه إلى أسيوط. وهناك زوّده الأسقف الأنبا يؤانس بركوبة طويلة الأذنين لزيارة الدير الأبيض والدير الأحمر في سوهاج، ولكن بالقرب من طهطا قام "سيمان" (أحد أنواع جنود الإنكشارية) بالاستيلاء بالقوة على ركوبة فانسليب، الذي اضطر للعودة إلى الأسقف الذي زوّده بركوبة جديدة. وبعد زيارة الديرين عاد الرحالة إلى طهطا، وزار أديرة المناطق القريبة المهجورة، ومنها دير الأنبا سويرس الأنطاكي في درنُكة، وكان به في الماضي 360 راهبًا، وزار كذلك مغاور المنطقة، وهي كثيرة هناك. بعد ذلك ودَّع فانسليب صديقه الأسقف، وعاد إلى منفلوط، حيث كانت تنتظره أخبار غير سارة؛ كان أهل المدينة المسيحيون قد شكوه للكاشف أنه جاء للبحث عن كنوز مصر؛ لذا بدلًا من متابعة الرحلة إلى جرجا في الجنوب، اضطر للهرب، والتوجه شمالًا إلى ملّوي (ص 24).
ومن ملّوي زار صاحبنا دير أبو حنِّس، وأقام فيه تسعة أيام، وانطلاقًا منه زار الأديرة والمغاور القريبة. يوم 3 أبريل شاهد آثار أنصنا (أنتينوه القديمة، قرية الشيخ عبادة) وظن أن البعض يدعوها طيبة، وشاهد كذلك آثار الأشمونين.
ثم عاد إلى ملّوي، ومنها إلى المنيا، وبسبب المخاطر الكثيرة والمتاعب الصحية، صرف النظر عن السفر حتى إسنا، لكنه اطلع على آثارها عن طريق نص رحلة قام به الراهب الفرنسيسكاني الكبوتشيني بورته (ص 24-25).
يوم 24 أبريل 1673 عاد فانسليب إلى القاهرة، ولم يفارقها لأكثر من خمسة أشهر. ولم يصرف نظره عن مهمته الأساسية وهي شراء الكتب، وكان حتى ذلك الوقت قد أرسل 334 مخطوطًا عربيًا، وتركيًا، وفارسيًا، وحبشيًا، إلى مكتبة الملك.
في ذلك الوقت شعر صاحبنا أن مهمته في مصر قد انتهت، لاسيما بعد المعاملة السيئة التي لقيها من القنصل الفرنسي الجديد، الذي أجبره على دفع الوجبات التي تناولها في القنصلية، فعوّل على السفر إلى القسطنطينية، بهدف متابعة البحث عن كثب، ومحاولة الحصول على فرمان من السيد الأعظم (الباب العالي) للسفر عبر الحدود المصرية (بدون خطر) إلى الحبشة (ص 25).
من رشيد سافر فانسليب، يوم 20 أكتوبر 1673، على متن شايقة (نوع من السفن)، حتى رودس كان السفر مريحًا، لكن بعد ذلك بدأت الصعوبات والأخطار. وبعد رحلة تشبه "الأوديسيئه" وصل إلى جزيرة كيوس في تركيا يوم 25 نوفمبر، وبقي فيها فترة طويلة، حتى 27 يناير 1674، ثم غادرها إلى أزمير، ومن هناك إلى القسطنطينية.
يوم 22 أبريل 1676 وطأت قدماه أرض باريس بعد غياب دام خمسة أعوام، ولكنه قوبل بفتور رسمي من الوزير كولبير، وعاش فترة معاناة بعد عدم حصوله على مستحقاته المالية المتأخرة (ص 27). توفي فانسليب في 12 يونيو 1679، بعد أن نشر كتابه الأول عن مصر عام 1677، وكتابه الآخر عن تاريخ الكنيسة القبطية في العام نفسه.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع