أحاديث القمر.. شادية إذ تتكلم!
«أنا نفسي ما بحبش أقعد أتكلم إذا كان حديث صحفي أو إذاعي، مش غاوياها دي يعني، أحب أمثِّل بس، رواية أحبها أمثِّلها، إنما الأحاديث يعني قليل أوي».
كانت شادية قليلة الظهور إعلاميًا، ولا تُفضِّل التحدُّث كثيرًا، وكانت تُجيب دائمًا على التساؤلات عن سر ذلك بأنها تُفضِّل أن تترك أعمالها تتحدَّث عنها، كما ذكرت في الحديث المشار إليه أعلاه، وهو من حديث لها لتليفزيون الكويت عام 1982.
يمثل كتاب د. هاني الديب «أحاديث القمر: شادية ذكريات الناس والأيام الحلوة» (دار المحرر، 2026) استكمالًا لمشروعه المهم لتوثيق سيرة الفنانة شادية ومسيرتها، بعد كتابه الأول «رحلة العمر: شادية بين السينما والأغنية».
ويأتي هذا الكتاب ليرصد ملامح جديدة من حياة شادية محاولًا رسم صور مختلفة لها، كما تعرّفنا عليها كجمهور من خلال حواراتها الإعلامية والصحفية: صورة الأسرة، وصورة المدرسة، وصورة العائلة الفنية التي احتضنتها واستقبلتها في هذا العالم الجديد، الذي دخلته وهي في ريعان صباها. صورة زملاء وزميلات العمر من نجوم ونجمات، ومخرجين، وشعراء، وملحنين، ومشوارها معهم في رحلة الفن. صورة نجوم الفن والأدب والصحافة الذين شكَّلوا معها وجدان وثقافة أجيال متتالية، عاشت معهم في زمن لن يعود (ص 12).
ينقسم الكتاب الذي يُنقب بدأب شديد في المجلات والأرشيف الصحفي والإذاعي والتليفزيوني، إلى أربعة عناوين رئيسة، تضم فصولًا متنوعة لا تخضع لتسلسل زمني محدد، حاول الكاتب في كل فصل منها أن يتناول اسمًا أو ملمحًا محددًا، بإلقاء المزيد من الضوء عليه، من خلال ما أُتيح له الحصول عليه من أرشيف صحفي أو إذاعي ضخم استطاع من خلاله أن يرصد كل ما يخص سيرتها الذاتية والفنية، من خلال ما أُتيح له الحصول عليه من أرشيف صحفي أو إذاعي ضخم استطاع من خلاله أن يرصد كل ما يخص سيرتها الذاتية والفنية.
يقول د. هاني الديب في مقدمة كتابه: «عندما يصل الفنان إلى مستوى معيَّن من النجوميَّة، يحيطه جمهوره بهالة من الانبهار والإعجاب، وعندما تُتاح للجمهور فرصة الاقتراب من نجمه المفضَّل، فإن هذه الهالة قد تنطفئ إلى الأبد، وقد تزداد تألُّقًا ولمعانًا، وكثيرون هم النجوم الذين انطفأت عنهم تلك الهالة بمجرد الاقتراب منهم، إمَّا عن طريق متابعة حوار مصوَّر أو مُذاع، أو حتى قراءة حوار صحفي لهذا النجم.
والقليل... القليل جدًّا، هم الذين يزداد سحرهم إذا اقتربت منهم، ورأيتهم يتحدَّثون ويضحكون ويتحوَّلون إلى «ناس شبهنا»، نشعر أنهم منا؛ أفراد من عائلتنا، يعيشون بيننا ويتحدَّثون إلينا كما يتحدَّث بعضنا إلى بعض» (ص 9-10).
من يتتبع حوارات شادية الصحفية أو الإذاعية يشعر بوضوح أن لديها ثوابت معينة تُفضِّل دائمًا الحديث عنها، مثل نشأتها في أسرة متماسكة بين أب متفتح وأم حنون وإخوة ودودين. ربما لم تتخل شادية عن هذا التحفُّظ إلا في حوارها الطويل مع إيريس نظمي، عندما قررت أن تسرد صفحات حياتها للتاريخ، ونشرتها مجلة «آخر ساعة» على مدى 15 حلقة ابتداءً من 24 نوفمبر 1976، تحت عنوان: «صفحات سقطت من ذكرياتهم – مذكرات شادية». فيما عدا ذلك كانت شادية مُقلِّة، بل وشديدة البخل في سرد تفاصيل عن حياتها وفنها.
حين سُئلت شادية عن مطربتها المفضلة، قالت في برنامج «ليالي الشرق» عام 1969:
«طبعًا السيدة أم كلثوم دي الغذاء، دي المية والشمس والهواء والأكل، دي أم كلثوم. إنما في المطربات، يعني اللي أحب أسمعهم وبتديني ذكريات حلوة وبفتكر أيام ما كنت بعيط قدام المراية، ليلى مراد أحبها قوي، خصوصًا أغنية بتبصلي كده ليه، عشان دي أول أغنية حفظتها».
وحين تحدَّثت إلى الإذاعي طاهر أبو زيد في (سهرة مفتوحة) عام 1974، قدّمت آراء مباشرة في أهم الأصوات العربية التي تفضّلها:
«أنا لغاية دلوقتي بصراحة بحب عبد الوهاب القديم، حقيقي ما عرفش، بيطربني، صوته فيه إحساس، أحبه قوي. وبحب محمد قنديل، تحس إن صوته ابن البلد. وبحب محمد رشدي، تحس إنه فلاح ماسك الفاس وبيشتغل في الغيط، يعني فيه حاجات تعجبني. عبد الحليم طبعًا في أغانيه العاطفية، فيه طبعًا أغاني أفلام، بيبقى حسب الموقف يعني، إنما الأغاني العاطفية بتبقى حلوة أوي. فريد مطرب عربي، ده تقول عليه مطرب عربي بيطربك يعني بالقفلات بتاعته دي وكده، والأغاني القديمة حلوة، بتاعت الأفلام، مش قديمة أوي يعني، أحب همسة حائرة... لا، مش همسة حائرة، أول همسة والربيع، دول ما يتنسوش أبدًا. وفيه غنوة كان عاملها في فيلم معايا أحبها لغاية النهاردة، كان اسمها مخاصمك يا قلبي، حقيقي كان لون جديد وحلو أوي. محمد قنديل من أحلى الأصوات، إنما كان لازم يشتهر عن كده كتير، ياخد فرصة أكتر. كمان سعاد محمد، مفيش شك. ليلى مراد... يا سلام! فنانة عظيمة، عظيمة ومحدش ينكر يعني الفترة بتاعتها دي كانت من أحلى فترات الأفلام الغنائية الاستعراضية، لغاية دلوقتي إحنا في التليفزيون لما بنشوف أفلامها بنتجنن عليها، وأغانيها لغاية دلوقتي وهتفضل برضه بنسمعها وعايشة، محدش ينكر إنها فنانة عظيمة».
وفي برنامج «ليالي الشرق» عام 1964، سألها الكاتب أنيس منصور عن أحب الأصوات إليها فكانت الإجابة أم كلثوم، ثم أضافت بعد إلحاح منه: «بعد أم كلثوم بحب أسمع في كل وقت فايزة أحمد؛ لأن صوتها حقيقي، يعني صوت كده مخلص، تحس إنه طالع من القلب. يعني قنعك وهي بتغني. أنا تعجبني أوي فايزة».
نكتشف عبر صفحات الكتاب أن الاختيار الأول لاسمها الفني كان «هدى»، وكان هذا الاسم مكتوبًا في أول عقد فني لها في فيلم «العقل في إجازة»، ثم قررت تغييره إلى «شادية» (ص 55). أما اسم الدلال في أوساط عائلتها والمقربين فكان «فاتوش» وليس «فتوش»، وهو تدليل لاسمها الحقيقي: فاطمة (ص 56-57).
في برنامج «أضواء المدينة» عام 1962، قالت:
«في السينما اللي اكتشفني وقدّمني للسينما هو الأستاذ حلمي رفلة. أواخر 47. أول أجر أخدته وما اشتغلتش، يعني كنت ابتديت في فيلم كان دور تاني دور صغير، في الوقت ده اكتشفني حلمي رفلة وجده خدني بعد ما اشتغلت في الفيلم يومين تلاتة وكان أجري 20 جنيه ما رجعتهمش لغاية دلوقتي، وبعد كده عملت الفيلم اللي ظهرت فيه. أخدت 200 جنيه».
سبق فيلم «العقل في إجازة» تجربة تصوير لم تتحدّث عنها شادية كثيرًا، ربما تكون تلك هي المرة الوحيدة التي أشارت إليها في حديثها مع سلمى الشماع في برنامج «زووم» (1984). وكانت غالبًا تشير إلى فيلم «أزهار وأشواك»، الذي صوّرت فيه أغنية غنتها مطربة قديمة بصوتها وكان عنوانها «أين من تسمو بها روحي».
أما الفيلم الذي أشارت إلى أنها بدأت فيه ولم تكمل تصويره، فكان فيلم «المتشردة»، وتحدَّثت عنه باختصار في حوارها مع أمل عبد الله لتليفزيون الكويت. وكان السبب في عدم استكمالها لتصوير الفيلم مشكلة أثارتها بطلة الفيلم حكمت فهمي، عندما رفضت شادية تصوير مشهد ما في هذا الفيلم. ولجأت شادية إلى حلمي رفلة، الذي قام بترضية الممثلة والمنتجة للفيلم، وأخذ شادية لتشارك في أول أفلامها الفعلية «العقل في إجازة» (ص 95). بالمناسبة، كلا الفيلمين كانا من إخراج محمد عبد الجواد.
كانت أول أغنية لها في فيلمها الأول «العقل في إجازة»، وعنوانها «يا صباح الخير يا صباح النور» (ص 188)، ولا تنسى أن تشير إلى أغنيتها «أنا يا روحي أنا» (ص 193)، والقصيدة الوحيدة التي غنتها في مشوارها مع الأغنية الوطنية، من أشعار محمود حسن إسماعيل وموسيقى رياض السنباطي، قصيدة «النور الخالد» أو كما عرفناها «أغلى شعاع»، التي غنتها في رثاء الرئيس جمال عبد الناصر، وأُذيعت لأول مرة في 27 نوفمبر 1970 (ص 193). وتُبدي شادية تأثرها بأغنية «الدرس انتهى لموا الكراريس» التي جمعت بين صُنّاعها الثلاثة صلاح جاهين، وسيد مكاوي، وشادية.
يقول د. هاني الديب:
«أعتقد -في رأيي الشخصي- أن «بوست القمر»، ومثلها أغنية «اتعودت عليك»، كانت تجربتين مختلفتين لشادية عن كل ما قدَّمت في تلك الفترة من أغنيات حزينة عن السفر واللوعة والفراق، وهي الموضة السائدة في أغنيات تلك الحقبة، واتجاه فني تزعمه بليغ حمدي وقدَّمت فيه شادية «آخر ليلة» و«خلاص مسافر»، وقبلهما بالتأكيد «خُدني معاك» و«قولوا لعين الشمس» و«قطر الفراق». وقدَّمت نجاة -على سبيل المثال- «ليلة من الليالي»، و«في وسط الطريق»، وعفاف راضي «وحدي قاعدة في البيت»» (ص 196).
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع