أمريكا... لحظة الاحتضار
كان واضحًا، يا صديقي القارئ، أن العالم يقف اليوم على خشبة مسرح تتبدل ملامحه أمام أعيننا، وأن الإمبراطورية التي اعتادت أن تنظر من الأعلى بدأت تفقد توازنها. ولعلك تشعر بذلك معي؛ فثمة هواء ثقيل يخبرنا أن غروب أمريكا ليس فكرة تحليلية، بل واقع يمشي نحونا خطوة بعد خطوة، كأن التاريخ نفسه يزيح الستار عن فصل جديد لا يشبه ما سبقه. لقد كانت الولايات المتحدة لسنوات طويلة هي الرومانية الجديدة، القوة التي يُحسب لها حساب، لكن أحداث العصر جعلت كثيرين يتساءلون في صمت: هل يلفظ العالم أنفاس هيمنتها الأخيرة؟
ومع أن السؤال يبدو كبيرًا، فإن علاماته تتكلم وحدها. فأنت ترى كما أرى، يا عزيزي، كيف يتراجع سطوع الدولار الذي كان يومًا السوط الذي تتحكم به واشنطن في نبض الاقتصاد العالمي. تكتلات مثل بريكس تحاول التحرر من قبضته، وكأن العالم – بعد عقود طويلة من التبعية – قرر أن يجرّب للمرة الأولى كيف يبدو المشي من دون ظل أمريكا على رأسه. إنها لحظة فاصلة تكشف أن الهيمنة المالية الأمريكية لم تعد مطلقة كما كانت.
وإذا نظرنا إلى السياسة، سنجد المشهد أكثر إثارة. القوى الصاعدة – الصين وروسيا – لم تعد تكتفي برفض الوصاية الأمريكية، بل تبني، يا صديقي، نموذجًا كاملًا ينافسها في الرؤية والمنطق. الحزام والطريق ليس مشروعًا اقتصاديًا فقط، بل رسالة تقول: لم تعد واشنطن وحدها من يملك خريطة اللعبة. ولعلك لاحظت ذلك كما لاحظ العالم كله، أن الكفة لم تعد كما كانت.
أما على المستوى العسكري، فقد حملت الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط دروسًا مريرة. فالقوة التي ظنت طويلًا أنها تستطيع تشكيل العالم بإصبع واحدة، اكتشفت أن الشعوب التي تحمل جرحًا وذاكرة لا تُهزم بالقنابل. أفغانستان، العراق... كلها محطات كشفت حدود القوة حين تتجاوز قدرتها على الفهم. وهذا درس، يا عزيزي القارئ، لا ينساه التاريخ بسهولة.
والأغرب أن أمريكا نفسها زادت من سرعة سقوطها. ذلك التقلب الحاد في سياساتها، خاصة في مرحلة ترامب، جعل الحلفاء في شك دائم. عندما يشعر الحليف بأنه قد يُترك وحده في أي لحظة، يبدأ بالبحث عن طريق آخر. هكذا بدأ التحالف الغربي يتفكك بهدوء، وكأن الثقة القديمة تشيخ أمامنا.
وفي خضم ذلك كله، يتشكل أمام نظرنا – ونظر العالم – نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، لا ينتظر إذن أحد. وربما تشعر بذلك داخلك يا صديقي: إحساس أن لحظة تاريخية تتفتح، وأن الفراغ الذي يتركه تراجع أمريكا لن يبقى فارغًا. فالدول النامية، والعربية تحديدًا، أمام فرصة نادرة كي تعيد تعريف مكانها، شرط ألا تكتفي بالفرجة.
وهنا تأتي دعوتي لك، يا عزيزي، كما تأتي لنفسي: أن ندرك أن التاريخ لا ينتظر. وإذا كان العالم على وشك أن يبدل جلده، فلا بد أن نكون جزءًا من البناء لا جزءًا من الصدى. الهيمنة تسقط... لكن الوعي هو الذي يبني ما بعدها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع