جماليات القُبح.. والصورة الماسخة
إذا كان الفن في معظم تاريخه سعى إلى الجمال والانسجام الشكلي، فقد عرف كذلك تجسيد القُبح والتشوه؛ فلطالما كان القُبح في أعمال الفرنسي جيرار غاروست هو نفسه الدافع إلى التعبير والرسم. ومن قبله قدَّم تيودور جيريكو أعمالًا تهتم بالقُبح، وأبرزها لوحة «امرأة حاقدة».
كان فان غوخ نفسه يفعل شيئًا من هذا القبيل، وكان يقول إن ما يراه من شر وقلق وأشياء مروعة هو ما يُحفِّزه على تصويره من خلال ألوان زاهية لها بريق ولمعان خاص. ويرى فان غوخ «إن للأشياء القبيحة خصوصية لا نجدها في الأشياء الجميلة». وها هو ذا الفنان النرويجي إدفارد مونك يصور حالته النفسية التي هيمنت عليه في لحظة ما، فعبَّر عن ذلك بتصوير شخصية يعذبها ضجيج هذا العالم، وتظهر في الخلفية سماء حمراء مكفهرّة.
وعليه، فإننا نجد أن ما نسميه في الطبيعة قُبحًا، قد يكون موضوعًا جميلًا للفن. فهل يقل الشحاذون الذين رسمهم بارتولومي موريللو جمالًا ودقة صنعة، عن العذارى الحسناوات اللائي صوّرهن بريشته الساحرة؟
بالمثل، قدَّم «غويا» الكثير من اللوحات التي تسودها الكآبة والقلق والموت، وفي المشهد التشكيلي العربي يبرز اسم الفنان السوري سبهان آدم، الذي عبَّر عن القبح والبشاعة برؤيته الخاصة.
في ضوء هذا يمكن أن نفهم مدلول عبارة إيمانويل كانط العميقة التي تقول: «الجمال الطبيعي يعني أن هناك شيئًا ما يكون جميلًا، في حين أن الجمال في الفن يعني تمثُّلًا جميلًا لشيء ما».
وهنا يبرز مفهوم «جماليات القُبح» انطلاقًا من أن الجمال في الحقل الإبداعي لا يعني بالضرورة التقاط الجمال الموجود في الواقع وتجسيده، إنما هو معالجة شيء أو فكرة أو مشاعر ما بأسلوب فني ولغة بصرية لها جمالياتها ودلالاتها العميقة وقدرتها على التأثير على المتلقي؛ فما يجعل عملًا إبداعيًا جميلًا أو غير جميل لا علاقة له بالشكل الخارجي أو تفكيرنا النمطي تجاهه، إنما هو مقدار ما التزم به هذا العمل من صدق وقدرة على التعبير عما يتناوله.
ويمكن النظر إلى ثنائية الجمال والقُبح؛ حتى يمكن للجمال الآن أن يُعبِّر عن نفسه من خلال تلك الأضداد وتقاربها، فلم يعد القبح إنكارًا للجمال، بل وجهه الآخر!
ويعد مفهوم جمالية القُبح أحد أطروحات ما بعد الحداثة، فالقُبح أحد القيم المرتبطة بالتجربة أو بالخبرة الجمالية التي تعد بدورها نتاج التواصل والتفاعل بين الفن والمتلقي اعتمادًا على تفاعله وبيئته. ومن هذا المنطلق يتضح لنا أن القبح ما هو إلا جمال من نوع خاص. أي أنه جمال على صعيد الوظيفة والقيمة.
ولكن، كيف نشأت مشكلة القبح في الفكر الفلسفي؟
في عام 1853 أصدر الفيلسوف الألماني ذي النزعة المثالية يوهان كارل روزنكرانتس كتابه -المترجم إلى الفرنسية عام 2004 وإلى الإنجليزية في عام 2015- بعنوان «استطيقا القبيح». كان روزنكرانتس مجددًا ومؤثرًا في تطور الانشغالات الجمالية في ألمانيا، إضافة إلى التزامه السياسي، ومتقدمًا على بعض الفرضيات الجمالية التي قدَّمها أدورنو لاحقًا. قدَّم روزنكرانتس، الذي يعد أحد عناصر الجناح الأيمن للهيغلية، تشريحًا دقيقًا لمفهوم القبيح؛ حيث تتميز شخصية هذا الفيلسوف بالدقة البالغة.
بعد دراسات وفحص نقدي منهجي لما سيصطلح عليه بـ«جماليات القبح»، صدرت الترجمات الفرنسية لأومبرتو إيكو: عام 2004 عمله «تاريخ الجمال»، وعام 2007 كتابه «تاريخ القُبح». عام 2007 أيضًا أصدر الفيلسوف الفرنسي غويناييل أوبري كتابه العصي عنوانه على الترجمة «مذاق القبح»، الذي يلعب عامدًا على الكلمتين الفرنسيتين (اشمئزاز) Dégoût و(نكهة)، طعم goût.
أما أومبرتو إيكو، الذي جمع نصوصًا وصورًا عن القبح في الفن التشكيلي، بعدما فعل الشيء نفسه بالنسبة للجمال، فهو يعتقد بأنه قد فهم الفرق الحقيقي بين المفهومين، مقترحًا أن النظرية الأولى للجمال هي قانون النحات اليوناني بوليكليتوس (عاش في القرنين الخامس والرابع ق.م.) الذي تتسم أعماله بالتوازن والدقة، وتتحدد بالمقاسات والنسب الصارمة. إن رجلًا من الرجال يمكن أن يكون جميلًا إذا كان مقاس قدمه ثلاثين سم، وتكون لذراعيه قياسات متوازية محددة.. إلخ. لذا يرى إيكو أن الجمال يقع في إطار حدود مرسومة، في حين أن تخوم القبح لا متناهية، وبالتالي فهو أكثر تعقيدًا وتنوعًا وتسلية. يرى إيكو أيضًا أن القبح في اللوحة التقليدية غالبًا ما يتم إخفاؤه في التفاصيل، ويتعين الذهاب للبحث عنه فيها، ويذكر أن جميع الفلاسفة تحدثوا عن الجمال، لكن هناك عددًا قليلًا جدًا من النصوص التي تعالج القُبح.
وترى الباحثة هدى حسن أن التمرد الفني وتاريخه «يحرر الجمال من قيوده التقليدية، ويثبت أن القبح ليس عدوًا للجمال، بل هو وجهه الآخر الذي يمنحه معنى أعمق».
يمكن الانتقال إلى فيلسوفين إنجليزيين مثاليين أيضًا، أسهما في تطور مفهوم القُبح ضمن الدراسات الاستاطيقية، وهما: برنارد بوزانكيت وولتر ستيس. يعالج الأول القضايا الاستاطيقية عن طريق بحثه في الحياة، فيتناول مفهوم الجمال والقبح من منظور مغاير. ويقول بوزانكيت في كتابه «ثلاث محاضرات في الاستطيقا» (1915) إلى القول بأن كثيرًا مما يسمى قبيحًا، راجع إلى ضعف المشاهد أو المتلقي، سواء كان العمل الفني فوق طاقته الانفعالية أو كان يجرح معتقداته الأخلاقية؛ لأن مثل هذه الأعمال الفنية ليست قبيحة، إنما هي ما أطلق عليه بوزانكيت «الجمال الصعب» Difficult Beauty، فالأشياء لا تبدو لنا قبيحة إلا لأننا نفتقر إلى القدرات اللازمة لتقدير قيمتها الاستاطيقية، وهكذا يؤكد أن في هذا النوع من الموضوعات جمالًا.
أما ولتر ستيس فيعرِّف الجمال والقُبح من خلال مفهومه عن الخبرة الاستاطيقية ورفضه الثالوث القيمي. ويذهب ستيس في كتابه «معنى الجمال: نظرية في الاستطيقا» إلى أن اللا جمال هو ضد الجمال، حيث يرى أنه إذا كنا نفهم من كلمة الضد ضربًا من الوجود الإيجابي، فإن الجمال عندئذ سيكون لا ضد له على الإطلاق. ويرى ستيس أن ثمة خطأ يقع فيه الكثير من الباحثين حين يظنون أن القبيح هو نقيض الجميل، تمامًا كما لو أن الشر هو نقيض الخير، وكما أن الباطل نقيض الحق؛ فالقُبح شعور استاطيقي إيجابي مؤلم، ليس ضد الجمال، فيظهر القبح على أنه ما يؤدي لا إلى المتعة الاستاطيقية، بل إلى الألم الاستاطيقي أو إلى الاستياء الاستاطيقي. وعليه يمكن القول إن المتعة التي يسببها العمل الفني بفضل مهارة الفنان في تمثيل القبيح، تحمل في طياتها ضمنًا أن ما هو قبيح كل القُبح يمكن أن يتحول بسبب المعالجة الفنية البديعة للفنان إلى ممتع في الفن، فيفهمه الإدراك على أنه جميل.
ويعد الفيلسوف الفرنسي جان بودريار من أهم مفكري ما بعد الحداثة ومن أبرز منظريها. في ثمانينيات القرن العشرين، أعلن بودريار وفاة مجتمع المشهد، وبزوغ مجتمع الانمساخ، وهو ما ابتدع له بودريار مسمى «الصورة المحاكية» أو «الصورة الماسخة»، وفي هذا السياق يطوّر ثلاث أفكار رئيسية: الصورة الماسخة، والانفجار، والواقع الفائق.
يحدد بودريار أربع مراحل للصورة، تقودنا إلى نظريته عن الواقع الفائق Hyper Reality، التي لها علاقة وثيقة بنظرية العالم الشهير دي سوسير حول «علامات اللغة»، فالعلامة عند سوسير تتكون من دال ومدلول، فإذا حضر الدال حضر المدلول، ولكن الأمر قد يكون مختلفًا عند بودريار؛ إذ إننا نعيش الآن مرحلة الانفصال بين الدال والمدلول، حيث إن الدال قد تحرر ليسبح في عالم مستقل من الدوال المتحررة، هذا العالم يتحرك هنا وهناك بسيولة فائقة قافزًا عبر حدود الواقعية التقليدية، بكل طريقة يمكن تصورها.
إذا كان بودريار قد أفاد من السيموطيقا في بناء فلسفته وتطوير أفكاره حول القيم، لا سيما التحول من قيمة الاستعمال إلى قيمة العلامة، فإننا نجد الفيلسوف والأديب الإيطالي أومبرتو إيكو قد تناول النص الجمالي من نظرية العلامات، وذلك من خلال مؤلفاته، مثل كتاب «بحث في السيموطيقا العامة» وكتاب «إشارات سيميولوجية للاتصالات المرئية»، وكتاب «البنية الغائبة».
ويمكن التركيز على تاريخ الوحوش وتجسيد الشيطان عند إيكو، وصولًا إلى ما سماه عصر انتصار القبح. في مقدمة كتابه «عن القُبح»، تناول هذا الفيلسوف الجمال والقبح من منظور مغاير. وقد صرح بأن تأملاته حول هذا الموضوع بدأت منذ زمن بعيد؛ إذ كان دائم الولع بالوحوش، ويوجد في مكتبته الكثير من الكتب عن الحيوانات وعجائب المخلوقات. ويلجأ إيكو إلى التشريح الطولي لتاريخ القبح، من خلال تناوله الأعمال الفنية ومناقشة الجمال والقبح في الحضارة الغربية.
تناول إيكو في دراساته القبح في العصور الكلاسيكية، وفلسفات القبح في العصر الحديث، وعصر انتصار القُبح، وناقش مفهوم الانحطاطية/ الانحلالية وعلاقتها بالقُبح الصناعي، ثم ترف القبح عند أصحاب النزعة الطليعية.
يبقى أن القُبح يلعب دورًا محوريًا في فن ما بعد الحداثة، ونقصد هنا القبح المرئي والمعاش وأثره في خلق نوع آخر من القُبح، ألا وهو القُبح الاستاطيقي، الذي نستطيع رصده من خلال الكثير من الأمثلة، تتجسد أغلبها تحت مظلة التمرد، تمرد الإنسان الفرد والفنان على كل ما هو متعارف عليه، والتعبير عن كل هذا الكم من الفوضى والتشوه، من خلال فوضى أخرى قد تبدو أكثر تشوهًا، وبصورة قد تبدو لا مبالية بما يحدث، تجسد حالة من الرفض لهذا الواقع والهروب منه بشكل صادم وعنيف.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع