معضلة المبادئ والمصالح في النظام الدولي الراهن
تأسس النظام الدولي لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية على محاولة إقرار مبادئ وقيم لنظام دولي جديد يحول دون نشوب حروب عالمية جديدة تهدد الأمن والسلم الدوليين. وصحيح أن هذا النظام تأسس ليخدم مصالح الغرب بشكل رئيسي، إلا أنه صاغ قواعد وقوانين دولية تحد من تدمير العالم مرة أخرى.
وعلى الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود على تأسيس هذا النظام، إلا أن تراجع القيم يُقوِّضه مرة أخرى، ولكن هذه المرة على نطاق أوسع وبشكل يبدو متعمدا.
إن أبرز ما يميز الوضع الراهن هو وجود أزمة وجدلية بين المبادئ والمصالح تنعكس بوضوح على الفعل السياسي، وهي المعضلة التي شغلت الفلاسفة ومنظري العلاقات الدولية لعقود. فبينما يرى البعض أن السياسة "فن الممكن" المحكوم بالمنفعة، يرى آخرون أنها انعكاس لمنظومات أخلاقية وقيمية.
وتُعرف المبادئ في السياق السياسي بأنها مجموعة القيم، القواعد الأخلاقية، والمعايير المعيارية (Normative Standards) التي تتبناها الدولة أو الفاعل السياسي كمرجعية ثابتة للسلوك. ومن المفترض أن تمتاز بالديمومة النسبية والتجريد. ومن أهم الأمثلة في هذا الصدد هي حق تقرير المصير، حقوق الإنسان، السيادة الوطنية، العدالة الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدولة.
على الجانب الآخر، تُعرف المصالح وبصفة خاصة المصالح الوطنية بأنها الأهداف الحيوية التي تسعى الدولة لتحقيقها لضمان بقائها، ازدهارها، وتعظيم قوتها ودورها في بيئة دولية مضطربة. ومن المفترض أن تمتاز بالبراجماتية، التأقلم مع تغير الظروف، ووجود طابع مادي غالبا ما يكون اقتصاديا أو أمنيا. ومن أهم الأمثلة على ذلك الوصول إلى الموارد، حماية الحدود، فتح الأسواق الخارجية، والتحالفات العسكرية لضمان توازن القوى.
وقد انشغل فلاسفة ما بعد الحرب العالمية الثانية -وبالذات في القارة الأوروبية التي عاصرت دمار وتداعيات الحرب العالمية الثانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية- بدراسة ماهية العلاقة بين المفهومين: صراع أم تكامل؟ وقاموا بتحليل العلاقة بين المبادئ والمصالح من خلال ثلاث مقاربات نظرية أو مدارس فكرية رئيسية: المدرسة الواقعية (Realism) التي ترى أن المصالح تتقدم على المبادئ. فالمبادئ وفق هذه المدرسة ليست سوى "أدوات خطابية" أو غطاء أيديولوجي لتمرير المصالح. لأن الدولة التي تضحي بمصالحها من أجل مبادئ أخلاقية تخاطر بوجودها. أما المدرسة الليبرالية/المثالية (Liberalism) فتؤمن بإمكانية تحقيق التوافق بين المبادئ والمصالح. فالديمقراطية وحقوق الإنسان (مبادئ) تؤدي إلى سلام دولي وازدهار اقتصادي (مصالح). وهنا، تصبح المبادئ هي التي تُعرِّف المسار الصحيح لتحقيق المصلحة. أما المدرسة البنائية (Constructivism) فتطرح رؤية أكثر عمقا، حيث ترى أن المبادئ هي التي تُشكِّل المصالح. فكيفية تعريف الدولة لمصلحتها تعتمد على هويتها ومنظومة القيم التي تؤمن بها. (مثلا: تعريف "الأمن" يختلف بين دولة ديمقراطية مسالمة ودولة توسعية).
فوفقا للمدرستين الليبرالية والبنائية تكون العلاقة بين المبادئ والمصالح علاقة تبادلية؛ حيث تُستخدم المبادئ لإضفاء "شرعية" على المصالح، بينما تعمل المصالح كوقود مادي لتمكين المبادئ من الاستمرار. ويمكن قياس وتحليل معظم الحروب والصراعات الدولية – بتعقيداتها- وفق هذه المسطرة.
فعلى سبيل المثال تم تفسير التدخل الدولي في ليبيا عام 2011 باعتباره تدخلا إنسانيا (المبدأ) مقابل النفوذ الجيوسياسي (المصلحة)، حيث تم رفع شعار مبدأ "مسؤولية الحماية" لحماية المدنيين. ومع ذلك، يجادل المحللون بأن المصالح الجيوسياسية المتعلقة بالنفط وتغيير موازين القوى في شمال أفريقيا كانت المحرك الخفي خلف سرعة الاستجابة الدولية، مقارنة بصراعات أخرى غابت فيها المصالح فغابت معها المبادئ.
وفيما يتعلق بقضية العقوبات الاقتصادية التي فرضت على عدد كبير من دول العالم آخرها إيران وروسيا. فعندما تفرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على نظام ما بسبب انتهاكات حقوق الإنسان (مبدأ)، فإنها غالبا ما توازن ذلك مع مصالحها الاقتصادية. في حين نجد أحيانا "ازدواجية المعايير"؛ حيث تُغض الطرف عن انتهاكات في دول تمثل شريكا تجاريا حيويا، بينما تُشدد العقوبات على دول معادية سياسيا، مما يثبت تغول المصلحة على المبدأ في اللحظات الحرجة.
وبتطبيق مسطرة أو جدلية العلاقة بين المبادئ والمصالح من المنظور الليبرالي – البنائي على الحرب الروسية الأوكرانية نجد أن الموقف الأوروبي ومعه حلف شمال الأطلسي "الناتو" انطلقا من الدفاع عن "سيادة أوكرانيا" و"النظام الدولي القائم على القواعد" (مبادئ)، لكن في نفس الوقت يتداخل هذا الموقف مع مصلحة استراتيجية تكمن في إضعاف الخصم الروسي ومنعه من تغيير خريطة الأمن الأوروبي (مصالح). أما من الجانب الروسي فالهدف هو الدفاع عن "الأمن القومي" و"المجال الحيوي" (مصالح أمنية صرفة)، يتم بلورتها في خطاب حول "حماية الأقليات العرقية" أو "مواجهة الإمبريالية الغربية" (مبادئ).
أما بالنسبة للحرب الأمريكية الإيرانية فإن جانب المصالح يتضح جليا مقارنة بالمبادئ، حيث ترى الولايات المتحدة أن هذه الحرب تخلص العالم من شرور النظام الإيراني وتهديده لدول العالم، في حين تقتضي مصالح الولايات المتحدة الاستيلاء على النفط الإيراني وإسقاط النظام السياسي فيها بالدرجة الأولى.
في التحليل النهائي، نجد أن النظام العالمي الجديد يحتاج إلى "نقطة توازن"؛ بحيث لا يكون "براجماتيا فجا" تفقده مصداقيته الأخلاقية، ولا "مثاليا حالما" يهدر موارد وأمن دوله. ولا يعني ما سبق أن العالم ليس في حاجة إلى منظومة قيم ومبادئ تحمي وجوده بشكل رئيسي.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع