دروب القاهرة في العصر العثماني
تطلَّب تحقيق الأمن والأمان في القاهرة في العصر العثماني جهدا واضحا في سياقات شتى، ومنها السياقان العمراني والمعماري، حيث كان إنشاء بوابات الحارات والأزقة والعطوف من الحلول العمرانية والمعمارية التي تساعد إلى حد كبير على تحقيق رؤية أمنية في ظل مناخ مضطرب. كان التحكم في هذه البوابات فتحا وغلقا وفق نظام محدد ليل نهار من المقومات الأساسية لضبط حالة الأمن الذي يستتبعه تحقيق الأمان والسكينة لسكان القاهرة.
وإذا كان هذا الأمر في الظروف العادية أمرا مهما؛ فإن أهميته تزداد بصفة خاصة في فترة الاضطرابات والفتن والمصادرات وغيرها من الأمور التي تعكر صفو الأمن وتذهب بالأمان والسكينة.
وتحديد مواضع بوابات الحارات والأزقة والعطوف وإقامتها بتخطيط معماري معين يفي بالغرض منها، وإنشاؤها بأساليب إنشائية تحقق ذلك أيضا يعكس إبداعا للمعمار الإسلامي في هذه الفترة، كما أنه يجسد أيضا في إطار التشغيل سمات مهمة لحياة المجتمع المعاصر ترتبط بهذه البوابات.
وفي سياق الإبداع المعماري يلاحظ توظيف وحدات وعناصر معمارية أخرى سابقة لتندمج في منظومة البوابات كالساباطات وغيرها. والرؤية العمرانية والمعمارية لهذه البوابات في إطار كلي تعكس منظومة أمنية مهمة في مدينة القاهرة. وقد عملت الحملة الفرنسية في مصر على نقض منظومة البوابات للسيطرة الأمنية على مدينة القاهرة، وهو ما يشي بأهمية هذه المنظومة.
تستوقفنا هنا دراسة علمية جادة وضخمة (552 صفحة) لبوابات حارات القاهرة والأزقة والعطوف في العصر العثماني قام بها الباحث أحمد زهران تحت عنوان «دروب القاهرة: بوابات الحارات والأزقة والعطوف في العصر العثماني» (دار الآفاق العربية، 2025). وموضوع الدراسة غاية في الأهمية سواء في إطاره المكاني (مدينة القاهرة) أو في إطاره الزمني (العصر العثماني)، وهو عصر تأثرت فيه مدينة القاهرة تأثرا بالغا في أوضاعها الأمنية، سيما بعد تحول المدينة من عاصمة للدولة المملوكية إلى عاصمة إقليم تابع للدولة العثمانية.
بداية، يتعين التوضيح أن الدرب هو المصطلح الذي استخدمه المؤرخون والفقهاء للدلالة على بوابات الطرق الخاصة. بوابات الحارة التي عرفتها القاهرة وانتشرت بشكل كبير في العصر العثماني بمصر، هي بوابات تغلق على الطرق الخاصة، والتي تطل بمداخلها على طرق رئيسة تمثلها شوارع المدينة، وكانت للحارات الكبيرة التي تمثل أحياء المدينة في العصر العثماني بوابات رئيسة تغلق عليها ليلا، وأحيانا ما كانت توجد داخل هذه الحارات بوابات داخلية تغلق على عطوفها وأزقتها، وأنشئت هذه البوابات لأسباب أمنية وترتب عليها مردود سياسي واجتماعي وأصبحت من أهم المظاهر العمرانية في تخطيط العاصمة المصرية.
بالرغم من بساطة هذا البناء، فإنه كان ذا أهمية كبيرة، حتى أن كثيرا من الحكام في العصر المملوكي حضوا على بناء هذه البوابات في حالات وظروف مختلفة. ففي فترة حكم السلطان الأشرف محمد بن قايتباي الثانية (902-904هـ/1497-1498م)، وقد سادها الاضطراب من أفعال السلطان محمد وعدم استقرار الأمن، وجدنا أنه في ربيع الآخر 903هـ/ديسمبر 1497م: «نادى والي القاهرة عن لسان السلطان بأن أهل الأسواق والحارات يعملون عليهم دروبا، فامتثلوا ذلك وبنيت بالقاهرة دروب»، وكان السبب وراء ذلك النداء هو كثرة المناسر والسرقات الذين أخذوا يهجمون على الأسواق والحارات.
وفي العصر العثماني استمرت هذه السنة في توجيه السلطة الحاكمة للسكان بالحض على بناء بوابات الحارات لحمايتهم من الأسباب التي تهدد أمنهم، وكانت القوات المكلفة بحماية المدينة تتأكد بنفسها من غلق هذه البوابات والحرص على متابعتها وملاحظتها.
تدرجت طريقة حماية وتأمين مدينة القاهرة ببناء بوابات في العصر العثماني على ثلاثة مستويات متداخلة: خارجية ووسطى وداخلية، اثنان منها كانا تحت سلطة الإدارة الحاكمة، والثالثة الداخلية كانت تحت سلطة السكان، فبنيت بوابات تحيط بالمدينة من الخارج تقفل ليلا فتغلق على جميع المدينة، والمستوى الثاني من التأمين يتمثل في بوابات أنشئت كمرحلة تالية في التأمين بعد بوابات المدينة، حيث أقيمت بوابات على الطرق والمنشآت العامة كالأسواق والقناطر، ثم يلي ذلك المستوى الثالث والأخير والمتمثل في بوابات الحارات، والتي كانت تبنى على رأس كل طريق يفضي إلى داخل الأحياء السكنية. وكانت تتدرج مستويات تأمين المحلة السكنية على مستويات هي الأخرى، وكأنه نموذج مصغر من المدينة الكبيرة. وكانت كلفة بناء وتأمين البوابة وأجرة البواب الواقف عليها تقع على عاتق سكان هذه المحلة.
الشاهد أنه لم تخطط العواصم الإسلامية الأولى في مصر ليحيط بها أسوار للحماية، بل خططت لتكون مدنا مفتوحة تتفاعل مع بيئتها، وهذا ما كان عليه الأمر في كل من الفسطاط والعسكر، وبالنسبة للقطائع كان الأمر نفسه، والسور الذي بني بها كان يحيط بالقصر وميدانه. كما استحدث ابن طولون على الطريق الواسع الواصل لقصره بوابة كبيرة، عبارة عن حائط يتخلله ثلاث فتحات كبيرة لأبواب، متصلة ببعضها واحدا بجانب الآخر، فإذا ركب ابن طولون مع عسكره، خرج من الباب الأوسط منها منفردا، من غير أن يختلط به أحد من الناس. وكان هذا البناء أشبه بأقواس النصر التي بنيت دون أن تتصل بسور أو بناء ليمر من أسفلها الحاكم أو الجيش المنتصر.
وأول العواصم الإسلامية في مصر التي جعل عليها سور يتخلله بوابات، كانت مدينة القاهرة، فاختصت بهذا عن غيرها من المدن السابقة، وكان ذلك لظروف خاصة بها راجعة إلى نشأة الدولة الفاطمية، وتفردها بمذهب ديني مخالف لمذهب أهل البلد، كما أحيطت مدينة الفسطاط في فترة لاحقة على إنشائها بسور تخلله عدة بوابات. وأصاب كل من سور القاهرة والفسطاط التدهور، مما حدا بالناصر صلاح الدين أن يفكر في بناء سور يحيط بمصر - الفسطاط - والقاهرة معا، وهو العمل الذي وافته المنية قبل أن يكمله.
بدأ التطور والانتشار الحقيقي لبوابات الحارات في القاهرة على نطاق واسع مع بداية العصر المملوكي الجركسي، الذي صاحبه عدة تغييرات ليس أهمها جنس الطبقة الحاكمة، بل في طبيعة النظام المملوكي الذي اتسم بالتبعية والولاء في مرحلته الأولى، نتيجة تربية طبقة المماليك صغارا في كنف أستاذهم، الأمر الذي تبدل في العصر المملوكي الجركسي لشراء طبقة جديدة من المماليك كبار السن فيما يشبه المرتزقة لتقوية وحماية مصالح أستاذهم. وفي ظل عدم وجود آلية متفق عليها لتداول السلطة بشكل طبيعي، أصبح الصراع على السلطة أكثر حدة وعنفًا، وعمت المدينة حالة من عدم الاستقرار الأمني، وأصبحت القاهرة مسرحا للمواجهات المسلحة بين أطراف الصراع على السلطة.
واكب هذا التغير أمر آخر ساعد على انتشار بوابات الحارات، وهو حض السلطة على بنائها بإصدار الأوامر للسكان وقيام الإدارة الحاكمة ببناء البوابات على الطرق والأماكن العامة، والتي كانت تجمع تكلفتها من أرباب الأسواق والناس. ونلاحظ أن هذه البوابات لم تكن ذات تأثير في الصراعات الكبيرة والمسلحة، أو حالات فقدان الأمن، فقد كان يتم تسورها واجتيازها بسهولة، فهي على حسب وصف أندريه ريمون «لم يكن دوره – الدرب – الصمود في وجه الاعتداءات الخارجية». ويظهر أن حث السلطة على بناء هذه البوابات في تلك الفترة هو جعل الأمر صعبا على أي جماعة تحاول السيطرة على المدينة.
أصبحت بوابات الحارات سمة مميزة للمدينة استرعت انتباه كل من زارها، وأدت دورها في ظروف السلم بشكل جيد، حيث كانت تغلق على الدور السكنية ليلا ويقوم على حراستها بواب يعينه أهل المحلة، وتقوم قوات الأمن المنوط بها حماية المدينة بالطواف في أرجائها ليلا للاطمئنان على سلامة الطرق وخلوها من أي غريب أو مشتبه به، والتأكد من غلق الدروب (البوابات) على أصحابها، فتعم حالة من الاستقرار والهدوء والشعور بالأمن.
في العصر العثماني، ونتيجة للصراعات المتكررة على السلطة، انتشرت بوابات الحارات على نطاق واسع، وخلقت هذه البوابات مساحة آمنة يسهل السيطرة عليها وحمايتها. من الناحيتين السياسية والاجتماعية، كانت البوابات تغلق على منطقة يسكنها جماعة تربطها روابط ثقافية واقتصادية، وكانت لكل جماعة سلطتها على منطقتها وتتحمل مسؤولية ما يحدث بها من أمور حتى لو كانت جنائية. وكنت تجد على سبيل المثال أن زقاق القناديل سكنه الأشراف، وزقاق الزهري سكنه بنو القسطلاني، وزقاق ابن بلاده سكنه بنو غفار، وزقاق القتلى سكنه جماعة من الأخيار مثل أولاد ابن أبي العشائر وابن الصبان، وزقاق بني الرصاص عرف ببني الرصاص؛ لأن جميع ما به من أملاك ملكهم، وزقاق الفقع من الحمراء سكنه الطنابدة، وزقاق الرشاحة سكنه أولاد ابن أبي المحاسن، وزقاق السمسم سكنه أولاد الخرزي، ودرب البلاط سكنه المصريون بنو الخليلي وبنو اللهيب.
ويبدو أن الحملة الفرنسية وقفت وراء إزالة هذه البوابات، وبعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر عادت الأمور إلى سابق عهدها وكأن شيئا لم يكن، ولم يصدر أي قرار أو أمر بإزالة هذه البوابات في عصر محمد علي.
وفي عصر إسماعيل، ترك الخديو القاهرة بميراثها الحضاري المتراكم ومشكلاتها المعقدة، وتوجه نحو بناء مدينة جديدة تصل بين المدينة القديمة وضاحيتها بولاق، مدينة جديدة مختلفة من حيث التخطيط والتنظيم، ففقدت المدينة القديمة اهتمام الدولة والطبقة الاجتماعية القادرة على صيانتها، وتراجع الاهتمام ببوابات الحارات.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع