«بخط اليد».. وأوراق المشاهير
كما تنتخب الحياة عناصرها، تنتخب -أيضا- «الوثائق» و«الأرشيفات» من تمنحه سحرها وأسرارها فيما يشبه «غواية» المدن المسحورة، حيث بات محترفو جمع الوثائق والأرشيفات النادرة في عالمنا العربي، في كثير من الأحيان «ذاكرة بديلة للتاريخ» ومصدرا لكثير من الباحثين والدارسين، فهم أشبه بصيّادي اللؤلؤ و«قنّاصة» كل ما هو ثمين ونادر، لا تراه أعيننا أو تمنحه ذاكرتنا ما يستحق من التكريم، والوقوف أمامه في محطات التأمل والمتعة والحنين للماضي البعيد.
وفي كتابه «بخط اليد: الأوراق الخاصة لمشاهير ونجوم مصر» (دار البديع العربي، 2025) يقدِّم الكاتب الصحفي محمد المالحي أوراق عدد من النجوم ومشاهير الفن والأدب والسياسة وأسرارهم، في رحلة إنقاذ بمعنى الكلمة. فقد كانت هذه الوثائق في طريقها إلى غياهب النسيان عبر تجار الأوراق القديمة وشركات الورق لفرمها.
إلا أن المالحي نجح في إحياء هذه الأوراق والوثائق بعد أن أنقذها الباحث والمؤرخ مكرم سلامة، أحد أهم جامعي الوثائق والأرشيفات في مصر والعالم العربي، الذي تولى ترميم بعضها وحفظها. وفي كتاب المالحي، الذي يقع في 126 صفحة، يأخذنا المالحي في رحلة ممتعة نعيد فيها اكتشاف أوراق نور الشريف حول أفلامه ومعارك الأفيش التي خاضها في «العار»، ويوسف شاهين ونيغاتيف أفلام نادرة له، وزكي فطين عبد الوهاب وحلم فيلم «الخرتية» الذي أجهضه يوسف شاهين والمنتجة مي مسحال، ومحمد فوزي الذي استنجد بالرئيس جمال عبد الناصر ضد تعنت الرقابة معه ومنع تصدير أفلامه، وأحمد زكي ووصيته الغامضة التي كتبها في لحظة انفعال، وكيف تصرف صفوت الشريف لترضيته، بعد تسريب نسخة فيلم «أيام السادات» من ماسبيرو لأندية الفيديو.
تضم الوثائق أيضا تفاصيل مثيرة عن خلاف اللواء محمد نجيب مع محمد حسنين هيكل التي كشفها خطاب نادر للأديب إحسان عبد القدوس عام 1973. ونقرأ في الكتاب كيف أشعلت حيلة للمنتج عبد الحليم نصر خلافات بين مريم فخر الدين وفاتن حمامة، وسبب تنازل المخرج صلاح أبو سيف عن باقي أجره عن فيلم «لا أنام».
ومن سحر السينما إلى غموض عالم السياسة، نطالع وثائق نادرة أيضا في تاريخ مصر المعاصر، بينها تعويضات الحكومة المصرية للمتضررين من حادث حريق القاهرة عام 1952 الذي لم ينجح التاريخ حتى الآن في كشف طلاسمه، ورغم مرور عشرات السنوات فقد اشترى مكرم سلامة هذه الوثائق من بائع ورق قديم، بينها أصول عقود التسوية والمساعدات التي قدمتها الحكومة المصرية وقتها لمنكوبي الحادث من أصحاب المحال والمنشآت التجارية، والتي قدرتها الحكومة المصرية وقتها بمبلغ 5 ملايين جنيه.
ومن تلك الوثائق أيضا خطابات تظلم بخط اليد تخص اللواء مراد محمد الخولي، حكمدار بوليس مصر الأسبق، في عهد الملك السابق فاروق، والذي أقيل من منصبه عقب حريق القاهرة، أرسلها الخولي إلى وزير الداخلية حينذاك، فؤاد سراج باشا الدين، بتاريخ 9 مارس 1952 يتظلم فيها من قرار إقالته.
الشاهد أن السينما ووثائقها مثلت الاهتمام الأكبر لمكرم سلامة خلال رحلته في عالم جمع الوثائق والأرشيفات، التي بدأها منذ 40 عاما، جاب خلالها صالات المزادات والأسواق الشعبية في مصر، وعالم الباعة المتجولين الذين يجمعون مخلفات المنازل، ويطلق عليهم في مصر «باعة الروبابيكيا»، إضافة إلى شراء مخلفات دور العرض السينمائية التي تعرضت للهدم خلال حقبة الثمانينيات، للبحث عن غايته.
امتلك مكرم سلامة ما يقرب من 500 ألف أفيش سينمائي، خاص بكل ما أنتجته السينما المصرية، منذ بدايات صناعة السينما في مصر عام 1928 حتى الآن، بينها جميع أفيشات أفلام السينما الصامتة، إضافة إلى أفلام أنور وجدي، ونجيب الريحاني وإسماعيل ياسين وعلي الكسار، مع مجموعة نيغاتيف كاملة للفنان الراحل أنور وجدي (قرابة 500 صورة) تحوي صورا نادرة له منذ شبابه حتى وفاته في نهاية ديسمبر 1955، من بينها صور عائلية له مع والدته وكذلك زوجته المطربة الراحلة ليلى مراد في حفلات رأس السنة الميلادية، وكذلك العروض الخاصة بأفلامه، وكواليس الأفلام التي أنتجها وأخرجها حتى وفاته عام 1955.
وفي حديث سابق لمجلة «الدوحة»، قال مكرم: لدي محاضر غرفة صناعة السينما منذ عام 1953 حتى 1963، وبينها قرار حذف صورة الملك السابق فاروق من الأفلام عقب ثورة يوليو 1952، والمئات من عقود إنتاج وتوزيع غالبية الأفلام المصرية منذ الثلاثينيات حتى بداية الستينيات الخاصة بشركة «بهنا فيلم» أشهر موزع سينمائي في مصر حتى بداية الستينيات. ومن بين عقود الأفلام التي امتلكها مكرم: عقود أفلام المخرج حسن الإمام وصلاح أبو سيف، والفنان فريد شوقي، وعقود أفلام المطرب محمد فوزي، بينها شكوى أرسلها «فوزي» للرئيس جمال عبد الناصر عام 1959، يشكو فيها تعنت «الرقابة» معه في تصريح تصدير فيلم «كل دقة بقلبي» للعرض في الخارج مما يهدده بالإفلاس، إضافة إلى عقود أفلام كل من سيدة الشاشة العربية فاتن هانم (كان لقب «هانم» يسبق اسمها)، وعمر الشريف وأحمد رمزي وهند رستم، كذلك الدعاوى القضائية المتبادلة بين الفنانين والمنتجين وقتها، بسبب ترتيب الأسماء على أفيشات الأفلام».
أما أهم ما كان يعتز به مكرم قبل رحيله فهو قرابة 150 صورة نادرة يملكها بالنيغاتيف أيضا، لكواليس أهم ثلاثة أفلام، في مسيرة المخرج العالمي الراحل يوسف شاهين للمنتج جبرائل تلحمي، وهي: «باب الحديد، صراع في الوادي، صراع في الميناء» يظهر فيهم «شاهين» خلف الكاميرا في أثناء توجيه أبطال الفيلم، وفي أثناء الاستراحة، مع أبطال أفلامه وقتها: عمر الشريف، وفاتن حمامة، وهند رستم، وفريد شوقي.
وعن وثائق يوسف شاهين صرَّح مكرم: «منذ نحو عشرين عاما قام ورثة تلحمي، ببيع محتويات مكتبه الخاص في القاهرة لإحدى صالات المزادات، وبينها نيغاتيف تلك الأفلام، التي تعد كنزا ثمينا في مسيرة يوسف شاهين، وقمت بإهداء نسخة من الصور لابنة شقيقته المنتجة ماريان خوري، في ذكرى وفاته الأولى منذ عدة سنوات، وقد سعدت بها جدا، لأن شاهين نفسه لم يكن يملكها في حياته، وكانت بحوزة تلحمي بوصفه منتج أفلامه الأولى (حسب تعبيره)».
اعتز مكرم بملكيته أرشيف صور فوتوغرافي للمخرج الإيطالي اليهودي الراحل «توجو مزراحي» مع أسرته، وفي أثناء تصوير أفلامه، وكان توجو مزراحي قد هاجر من مصر عام 1948 وتوفي في إيطاليا عام 1988، وهو مخرج فيلم «سلامة» لكوكب الغناء العربي أم كلثوم، وجميع أفلام الفنان الكوميدي علي الكسار، ويعد أحد رواد مخرجي السينما المصرية، وهي المجموعة التي أهداها «مكرم»، منذ عدة سنوات، لمكتبة الإسكندرية في أثناء احتفالية مئوية السينما المصرية في الإسكندرية، مسقط رأس «توجو مزراحي» بمناسبة تكريمه.
في مدينة الإسكندرية الساحلية في مصر، أقام مكرم سلامة أحد أهم جامعي الوثائق والأرشيفات بمصر والعالم العربي؛ حيث كان يمثل حالة فريدة لـ«الوثائقيين» الذين لا يرون العالم إلا من خلال «عطر الوثائق والأرشيفات» ومتعة دخول «مدن الأساطير» عبر بوابة صفحات التاريخ.
ما إن تطأ قدمك عتبات منزل «مكرم» بمنطقة «ميامي» في سيدي بشر حتى تغرق ذاكرتك في مشاهدات لا تراها إلا عبر أفلام «الأبيض والأسود»، وتعود بك عجلة الزمن إلى قرابة ما يزيد على قرن من الزمان، ما بين وثائق الإرهاصات الأولى لصناعة السينما المصرية، وخطابات بخط يد كبار الفنانين خلال تلك الفترة، آلاف «الأفيشات السينمائية» القديمة، لأساطين نجوم الفن السابع في مصر، خطابات وعقود الأفلام الأصلية بخط أصحابها وعطرهم، إضافة إلى آلاف الصور الفوتوغرافية النادرة لكواليس صناعة الأفلام (التي تعرف باسم of Making) خلال فترة الثلاثينيات حتى ستينيات القرن العشرين.
من سحر السينما، تنتقل إلى غموض «السياسة» وأسرارها عبر مئات الصور النادرة، التي امتلكها مكرم بالنيغاتيف، لأعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو، ورؤساء مصر السابقين: محمد نجيب وأسرته في مشاهدات نادرة، وجمال عبد الناصر، وقبلهم أسرة محمد علي، والملك فؤاد والملك فاروق، وزعماء مصر السياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس، إضافة إلى قرابة 10 آلاف صورة، توثق تفاصيل الحياة اليومية والمهن والشوارع في مصر حتى منتصف الخمسينيات بعدسة المصورين الفوتوغرافيين الأجانب، الذين عاشوا في مصر خلال تلك الفترة، وساهمت إبداعاتهم في طفرة في عالم التصوير الفوتوغرافي وقتها.
وقبل أن يقرر عرض مقتنياته النادرة للبيع قرب وفاته، كان مكرم يشعر بالفخر والسعادة بما يملكه من وثائق وأرشيفات نادرة، حيث قال: «أشعر أني أغنى رجل في العالم»، وكلما أهديت «مكتبة الإسكندرية» جزءا من الوثائق والأرشيفات تغمرني السعادة والإحساس بالرضا، حيث بلغ ما أهديته لـ«المكتبة» قرابة 300 ألف وثيقة نادرة، بهدف توثيقها والحفاظ عليها في ذاكرة مصر المعاصرة للأجيال القادمة، بينها وثائق أملاك الدائرة السنية «أملاك الخديو إسماعيل وأسرته» وخطوط الري المصرية وإنشاء السكة الحديد في عهد محمد علي -مؤسس مصر الحديثة، إضافة إلى الرخص الأولى لإنشاء دور السينما والمسرح في مصر بدايات القرن العشرين، وغيرها من الوثائق.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع