إعلان

السيدة زينب.. الجسد وقوة المكان

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الإثنين 13 أبريل 2026

يحتل الجسد مكانةً محورية في علم الاجتماع المعاصر. يتضحُ ذلك من حجم الدراسات المتتابعة حول الجسد، وعدد المؤتمرات التي تُعقَد لدراسة الموضوعات المرتبطة به، وعدد المجلات العلمية التي تُفسِح مكانةً خاصة لهذا النوع من الدراسات أو التي تتخصص في درس الموضوع، ومن أشهر هذه المجلات مجلة الجسد والمجتمع التي تصدر عن دار نشر Sage Publications منذ عام 1995.
ولا شك أن الاهتمام بالجسد في العلوم الاجتماعية بعامة وعلم الاجتماع خاصة، يؤسس لفهمٍ أعمق لطبيعة التفاعل الإنساني الذي لا يمكن أن يوجد أصلًا دون هذا الجسد الذي تصدر عنه كل أشكال التفاعل.
وتدور سوسيولوجيا الجسد حول عدد كبير من الموضوعات التي تكشف لنا تقاطعات الجسد مع الطبقة والثقافة والسياسة. فالجسد البشري ليس كائنًا بيولوجيًا ساكنًا، وإنما هو نسق يتفاعل في سياق تتشكل من خلاله أنماط التفاعل، والمسارات والاستراتيجيات التي يختارها الفاعل.
ويمثل كتاب د. أماني عبد الحافظ «الجسد وقوة المكان: طقوس التفاعل الاجتماعي في حي السيدة زينب» (الهيئة العامة المصرية للكتاب، 2024) إضافة مهمة في اتجاه تحليل وسائط التعبير الجسدي في سياقات مختلفة (الشارع أو السوق أو الحارة.. مثلًا)، وفي أوضاع مختلفة (حالات المشي أو الجلوس مثلًا).
تسعى د.أماني عبد الحافظ إلى رصد الدلالات والتعبيرات الجسدية في التفاعل الاجتماعي، وتصنيفها استنادًا إلى الاختلافات الثقافية، خاصة في حي السيدة زينب، الذي يشهد تفاعلات مكثفة تجمع بين ما هو تقليدي وما هو ديني وما هو حديث.
اختيار حي السيدة زينب جاء نتيجة لتفاعلاته المكثفة وتنوع الشرائح الاجتماعية به، من حيث التعليم، والمهن، وطبيعة المسكن، وأشكال الاستهلاك، ونوعية الملابس، وطبيعة التعامل، بالإضافة إلى طبيعة ما يفرضه المكان من التفاعلات اليومية الكثير.
عملت الباحثة على توثيق ومراقبة التفاعلات في الشارع العام، السوق، الحارة، وحول المسجد، في حي السيدة زينب. من هذا المنطلق، رصدت حالات الظهور في الأماكن العامة (السير، والوقوف والجلوس). كما درست تعبيرات الجسد في الأماكن العامة من تعبيرات غضب، وفرح، وضيق، وسعادة، وجدية، وتعب، وشقاء، وعمل، واشمئزاز، وغيرها من التعبيرات التي ترتسم على الوجه والجسد، وكذلك تعبيرات الجسد في السوق، والحارة، وحول المسجد، فقد يضفي المكان سمات اجتماعية ثقافية دينية على تعبيرات وإيماءات الجسد يكون لها مردود أو دلالة سوسيولوجية في إطار سياق معين بسماته المعينة.
وقد تضفي تعبيرات الجسد للأشخاص الموجودين أو المقيمين في مكان بعينه سمات ثقافية اجتماعية دينية على المكان وتعطي دلالة سوسيولوجية تضيف نقطة أو محورًا في إطار التحليل لرصد التعبيرات الجسدية في مختلف الميادين من إيماءات تُعبِّر عن هلع، وتمهل، واحتقار، وغضب، وامتثال، والخضوع، والحذر، والتهرب والانسحاب، والدونية، والنهي، والأمر، ونفاد الصبر، والدهشة .
اهتم الكتاب برصد التفاعلات اليومية لكل مكان على حدة من تعاملات واحتكاكات بين العابرين والباعة والشارين والزبائن والمتسولين وغيرهم في مختلف المواقف التي تتم في أُطر معينة كمواقف العراك والمشاجرة أو المشادات والشتم، وأثناء فض الاشتباك أو أثناء الزحام أو ما يتم من مصافحة وتعاون ومودة ومواساة مع الباعة والعابرين والزبائن وكيف يتم؟ وفي أي موقع من الميادين؟ وأيضًا تعاملات الشرطة (شرطة البلدية) مع الباعة وتجمعات العابرين، وطريقة الوقفات والسير والجلوس في داخل المكان الواحد بمختلف التفاعلات اليومية.
رصدت الباحثة أيضًا الممارسات التي تتم حول مسجد السيدة من وجود الزوّار المصلين والعابرين والباعة أمام مدخل المسجد ومخرجه حول المقام وأثناء إقامة الحضرات والموالد وتوزيع النذور بكل أوجه الاحتكاك. في سياق هذا التصنيف، تمك الاستعانة باللقطات التي ينبغي أن تبرز وتُعبِّر عن مغزى ودلالة للموقف أو اللقطة، والاستناد إلى مفهوم التمثيل الذي يمارس في الحياة اليومية في سياق طقس تفاعلي بشكل اعتيادي، فعندما يتحدَّث الشخص أو يصنع تعبيرات وإيماءات بالوجه والأيدي أو أي جزء من الجسد، فإنه يفعل ذلك بصورةٍ تكاد تكون غريزية طبيعية باختلاف المواقف والتفاعلات تختلف التعبيرات والإيماءات، ولكن هناك تعبيرات اعتيادية تُمارَس بشكل روتيني مع تكرار أنماط التفاعل إلى أن يصبح طقسًا تفاعليًا في الحياة اليومية، في إطار يبرز جميع الوقائع والأبعاد والقواعد الحاكمة للسلوك.
لمزيد من التفصيل، قسَّمت الباحثة الميادين (الطريق العام-الحارة-السوق-حول المسجد) إلى مواقع أمامية ومواقع خلفية وتوجد بينها المواقع الفاصللة بما يمتلكه كل موقع من تفاصيل كما في الطريق العام من ملامح للتمثيل الجسدي المظهري المتحفظ المرتسم في إطار الموقع الذي يتسم بالتجميل والتخفي وراء التعبير بإيماءات وزي ومكانة اجتماعية. وتتمثل المواقع الخلفية في ميدان الحارة الذي يمتلك إطارًا محددًا بمسافة مكانية بتمثيل جسدي متحرر من تحفظه والذي يقل فيه التجمل وراء الإيماءات والزي وتختفي المكانة الاجتماعية والفروقات بعض الشيء، في حين تتمثل المواقع الفاصلة في ميدان السوق وحول مسجد السيدة بما يمتلكه من اختلافات نظرًا لطبيعة المكان المتجددة من الجائلين والعابرين والباعة والزبائن والمشترين والزوّار والمصلّين بالإضافة إلى خصائص المكان ونشاطه، سواء الاقتصادي أو الديني لممارسة الطقوس الدينية بمسافة اجتماعية وتعبيرات جسدية قد تختلف عن الميادين الأخرى.
يثير الكتاب تساؤلات حول تأثير المكان على حركات الجسد، وكيف يُعبِّر الأفراد عن أنفسهم في أماكن مختلفة، كما نُوقِش دور حركات الجسد والإيماءات في تقديم الفرد كانعكاس لثقافة معينة، وتأثير الثقافة على الإيماءات والحركة الجسدية.
وتُظهِر الدراسة أنه في الطريق العام في حي السيدة ز ينب توجد عادات مختلفة لطريقة المشي وحركة السير (كشارع السد ومراسينا أو عبد المجيد اللبان) وغيرها من الشوارع الرئيسة في الحي التي يقطن فيها فئات متفاوتة اقتصاديًا واجتماعيًا عن الفئات التي تسكن في الشوارع الجانبية أو الحارات أو السوق على سبيل المثال (شارع زين العابدين وعتريس وقلعة الكبش تلك المنطقة الجبلية) وغيرها من الأماكن التي يقطن فيها الحِرفيون والعمال والباعة المرتزقة، كما أن الطريق يفرض طبيعة معينة للسير فيه لتفادي السيارات والحافلات من خلال السير أو المشي على الأرصفة وأيضًا المشي بحذر نظرًا لكثرة المحال والباعة الجائلين الموجودين على الرصيف، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يتسوقون، ما يؤدي إلى ازدحام الرصيف والسير بطريقة لتفادي الاحتكاك بأحد.
ونطالع في الكتاب:
«من الإيماءات الإرادية الصامتة التي تتم من خلال حوار بين فردين أو أكثر في الطريق وترمز للعنف، وتؤدى بتوجيه السبابة والوسطى ملتصقتين إلى الصدر مع طي بقية أصابع اليد وترك الإبهام حُرًا في إشارة رمزية لتوجيه الاتهام كمسدس حقيقي إلى رأس الضحية. قد تُستخدَم الإيماءة الصامتة الإرادية في كثير من الأحيان للمزاح».
و«تُعبِّر وضعية تصالب الجسد بكل أنواعها من الذراعين والرجلين المتصالبين وقفل الكاحل وغيرها. بمعنى آخر (تكتيف الذراعين واضعًا ساعده الأيسر فوق الأيمن) على موقف دفاعي، أي أن الشخص يتحصن خلف محيط اجتماعي له آليات دفاعية مخيفة ولا يمكن أن يتخطى أي حدود مع الشخصية المتصالبة. فالشخص المتصالب هو في الحقيقة شديد التحفظ والاكفاء، خلافًا للنمط الهجومي المعاكس».
تشير د.أماني إلى أن «معظم السيدات التي تعبر الطريق العام أو الشارع تسير وهي تكتف ذراعيها. وغالبًا ما تُقطّب وجهها، وتتجنب النظر إلى المارة الذين لا تعرفهم. تشعر بالوحدة إزاء الجميع، وتفتقر إلى الإحساس بالدفء الداخلي. كما تظهر بعض الإيماءات التي تُعبِّر عن التصلب بطريقة مقنعة بإمساك أساور الأكمام بدلًا من حاجز الذراعين، ويظهر ذلك لدى السيدات والرجال والشباب من الجنسين».
ويضيف الكتاب أن بائعًا متجولًا سيكون متهورًا إذا ما قاطع حديث المشتري أو ما إذا ما تحدَّث عندما يبدأ المشتري بإيماءة ضرب الذقن عقب سؤاله أن يتخذ قرارًا بالنسبة إلى الشراء. إن أفضل استراتيجية يعتمدها هي مراقبة دقيقة لإيماءات المشتري التالية، التي ستدل على القرار الذي يتوصل إليه. وإذا تلا إيماءة ضرب الذقن تصالب الذراعين والرجلين، واستواء المشتري في كرسيه، فإن البائع يقول له بطريقة غير شفهية: لا. ويكون من الحكمة بالنسبة إليه أن يراجع النقاط الرئيسة في عرضه مباشرة قبل أن يتلفظ الشاري بجوابه السلبي وتعقد الصفقة. إذا تلت إيماءة ضرب الذقن إيماءة الاستعداد، فإن البائع يحتاج وحسب لأن يسأل كيف يفضل المشتري سداد ثمن السلعة، ويشرع هذا الأخير في عقد صفقة الشراء .
تسلط د.أماني عبد الحافظ الضوء على الرموز الحياتية اليومية ودلالات حركة الجسد في المكان، حيث تؤكد أن الجسد ليس موضوعًا في حد ذاته، بل هو تعبير عن العلاقة بين الإنسان والمكان، ويُقدِّم دلالات ثقافية وأخلاقية عن المجتمع، ويهدف التجسيد الاجتماعي في الكتاب إلى فهم الواقع الذي يكشف بنية المجتمع.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان