إعلان

التجسس في عصري الأيوبيين والمماليك

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الأحد 12 أبريل 2026

لا شك أن سعي الإنسان إلى المعرفة والحصول على المعلومات كان دومًا ضرورة للبقاء وتحقيق الاستقرار، وأن الدولة، بوصفها كيانا سياسيا واجتماعيا، اعتمدت عبر العصور على أنظمة دقيقة لجمع الأخبار وتحليلها، سواء في أوقات السلم أو الحرب، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دراسة نظام الاستخبارات والتجسس في العصرين الأيوبي والمملوكي، باعتباره أحد العوامل المؤثرة في استقرار الدولة في العصرين وانتصاراتها العسكرية.
وترى د. نيللي يسري شلبي، في كتابها «نظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي» (الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2026) أن نظام الاستخبارات والتجسس أصبح عاملا فعالا ومساعدا في سير جوانب الحياة المختلفة (عسكريا وسياسيا واقتصاديا) وغيرها من جوانب الحياة للدولة في عصر المماليك؛ لأنه يعتمد على المعلومات والمعرفة الدائمة بأحوال الدولة نفسها وأخبارها، بل وأخبار الدول المحيطة بها.
لم يقتصر، إذن، عمل الموظفين في نظام الجاسوسية على الجانب العسكري، بل استُخدم الجواسيس للأغراض الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، حيث كان على الجواسيس استطلاع المنازل والمراعي والمهام، ولا سيما في أوقات الجدب، وانحباس المطر، كانوا يسمونه الرائد، كما اعتمدوا على النساء لا سيما الجواري منهن في جلب المعلومات، واستخدموا العبيد للحصول على الأخبار المتعلقة بأسيادهم. ففي العصر الأيوبي، اعتمد الملك المعظم عيسى بن الملك العادل على النساء في التجسس، فكن إذا شعرن بخروج الفرنج من مدينة عكا، فتحت المرأة طاقة بيتها المقابلة لجبل الكرمل، وأشارت إلى المكان الذي سيقصدونه، وهو ما جعل الصليبيين لا يقصدون مكانا إلا وجدوا عسكر المعظم سبقهم إليه.
كما يعد من أهم مصادر التجسس والاستخبارات: العرفاء، والتجار، والرسل، إضافة إلى مصادر المعلومات في قبائل البربر بالمغرب العربي، كذلك مصادر اليهود، بجانب عمال الخراج، والعيون وصاحب الشرطة. كانت مهمتهم جمع الأخبار ونقلها، وكان ديوان البريد يمارس ثلاث مهام أساسية، هي: نقل الولاة المعينين أو المنقولين إلى مناطقهم الجديدة بصورة سرية في معظم الأحيان، ونقل القطاعات المهمة والصغيرة من الجند إلى الجبهات في أوقات الأزمات، ونقل طلبات الخليفة من المواد والأشخاص، وهذا دعا إلى التطور الدائم في نمط الاستخبارات والتجسس.
غني عن القول إن سلاطين الأيوبيين أدركوا أهمية التغلغل داخل أجهزة العدو عن طريق نظام الجاسوسية؛ للحصول على كل ما يهمهم معرفته عن أعدائهم الصليبيين. كما أنهم نوعوا في وسائل التغلغل حتى يضمنوا تدفق المعلومات إليهم. وعن طريق جواسيسه، استطاع السلطان صلاح الدين الأيوبي (567-589هـ/ 1171-1193م) التخلص من الأمراء والضباط المشكوك في ولائهم له، كما أرسل أخاه الأمير توران شاه في حملة إلى بلاد اليمن سيطر عليها في عام 569هـ/1174م، ويقول ابن الأثير في ذلك: واستقر ملك صلاح الدين بملكها، عندما تمكن صلاح الدين بمساعدة جواسيسه أيضا من التخلص من بقايا الشيعة الموجودين داخل مدينة القاهرة؛ إذ بلغه في عام 568هـ/1173م باجتماع بعض الشيعة في بلاد الصعيد وإغارتهم على بعض المدن، فأرسل السلطان صلاح الدين قواته على وجه السرعة للقضاء عليهم؛ لذا سعى صلاح الدين الأيوبي إلى احتلال قلاع الدعوة الإسماعيلية. بجانب ذلك، نجح السلطان صلاح الدين في إقامة شبكة قوية من البريد الجوي عن طريق الحمام الزاجل حيث أقام الأبراج الكبيرة والقوية، وأقام عليها الحراسة اليقظة؛ مما جعله على دراية بكل ما يدور في مملكته الكبيرة، كما أمكنه إرسال تعليماته إلى أي مكان في أي وقت.
كما زاد السلطان صلاح الدين من ربط مصر ببلاد الشام بواسطة البريد الجوي؛ حتى صارت هناك شبكة من المهابط في مصر وبلاد الشام، تمتد من أقصى جنوب مصر من مدينة أسوان في الصعيد إلى مدينة القاهرة وفي مدينة السويس إلى مدينة بلبيس، كل على حدة، ثم من مدينة بلبيس إلى بلاد الشام، ومن مدينة بلبيس أيضا إلى مدينة الصالحية إلى قطيا، ومن مدينة قطيا إلى الواردة في الطريق إلى مدينة غزة، ومنها إلى مدينة دمشق، من كل واحد من هذه المراكز إلى ما جاورها من المدن. ويذكر المقريزي أن برج قلعة بمدينة القاهرة كان يحوي وحده أكثر من ألفي طائر.
ومن المعارك في العصر الأيوبي التي كان لنظام الاستخبارات والتجسس دور فيها: معركة مرج عيون (575هـ/1179م)، ومعركة بيسان (579هـ/1183م)، ومعركة حطين (583هـ/1187م). الجدير بالذكر أن الأدلاء جزء أصيل من الجهاز الاستخباري في تيسير سبيل القوات لسلك أفضل الطرق وأكثرها أمنا، مثلما حدث في عام 584هـ/1188م، حيث قرر الصليبيون إنفاذ النجدات العسكرية إلى مدينة صفد، التي كان يحاصرها السلطان صلاح الدين بقواته، بلغ عدد أفراد هذه النجدة العسكرية ما يقارب مئتي رجل من أقويائهم ممن يطلق عليهم حديثا -الوحدات الخاصة أو «الكوماندوز»- فساروا في الليل مستخفين وأقاموا النهار مكمنين، بالإضافة إلى تخصيص وحدة اليزاك بالتحقيق مع الأسرى واستخلاص ما يمكن استخلاصه منهم من معلومات. وكان السلطان صلاح الدين الأيوبي في كثير من الحالات يشرف بنفسه على استجواب بعضهم، وهذا ما أكده ابن شداد والأصبهاني، من خلال استجواب الأسرى. واستطاع الجواسيس معرفة حجم أسطول العدو الذي هاجم مدينة الإسكندرية، ونقلوا أخبار حصار الصليبيين لمدينة عكا.
ويمكن التوقف عند اللحظات الفارقة في التاريخ المملوكي، منذ تولي المماليك الحكم عقب صد الحملة الصليبية السابعة عام 648هـ/1250م، مرورا بالانتصار الحاسم في معركة عين جالوت عام 658هـ/1260م ضد المغول، وصولا إلى نهاية الدولة على يد العثمانيين عام 923هـ/1517م. الأكيد أن تلك الانتصارات لم تكن وليدة القوة العسكرية وحدها، بل ارتبطت أيضا بفاعلية جهاز الاستخبارات وقدرته على جمع المعلومات الدقيقة عن الأعداء وتحركاتهم.
ولا يمكن إغفال الدور المحوري الذي لعبه نظام الاستخبارات في صناعة القرار السياسي والعسكري خلال تلك الحقبة الممتدة من عام 648هـ/1250م حتى 923هـ/1517م. يتعين أن نشير في هذا المقام إلى الجهاز الإداري لنظام الاستخبارات والتجسس في العصر المملوكي، وخصوصا دور ديوان الإنشاء وأصوله ومهامه وعماله، فضلا عن المواصفات العامة والشخصية التي كان ينبغي توافرها في رجال الاستخبارات، من كتمان وذكاء وقدرة على التحليل وتحمل المشاق.
ولا تخفى أهمية الاستخبارات المباشرة وغير المباشرة، ووسائل جمع الأخبار في أوقات الحرب عبر الجيش والأسطول، وكذلك في أوقات السلم، من خلال نظم البريد وأنواعه، وغيرها من القنوات التي ضمنت تدفق المعلومات إلى مركز القرار، بما يسهم في حماية الدولة وتعزيز مكانتها.
ويمكن الحديث عن دور نظام الاستخبارات في مواجهة الأخطار الخارجية التي تعرضت لها الدولة المملوكية، سواء الصليبية أو المغولية أو العثمانية، وثمة أمثلة كثيرة لمعارك مفصلية أثبتت أهمية المعلومات المسبقة في ترجيح كفة المماليك، سواء على الخطر الصليبي أو المغولي أو العثماني.
بالمثل، لعبت الاستخبارات دورا في دعم الحياة الاقتصادية والتفتيش على أرباب الحرف والصناعات والتصدي للغش في الصناعة، ومراقبة أسعار السلع والبضائع في الأسواق من خلال متابعة الأسواق (عن طريق تعيين المحتسب) وحركة التجارة وتأمين الطرق. ولهذا اهتم المماليك بتعيين ناظر المال للإشراف على ما يجري في الديوان من الشؤون المالية، وناظر الخاص الذي كان في عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون المتحدث فيما يخص مال السلطان.
وحين نتحدث عن مواجهة الدولة للجواسيس، فإننا نفتح باب الحديث عن الإجراءات الوقائية التي اتبعتها الدولة لحماية أمنها الداخلي، وكذلك العقوبات التي طبقتها الدولة المملوكية على الجواسيس، والتي تنوعت بين عقوبات جسدية (القتل بالسيف والشنق والقتل توسيطا أو تنصيفا أو صلبا أو تسميرا أو إغراقا في الماء) ونفسية ومعنوية (السجن والنفي والمصادرة، في إطار سعي الدولة إلى ترسيخ هيبتها ومنع الاختراقات الأمنية.
الجدير بالذكر أن كل العقوبات السابقة كان ينفذها الوالي في عصر المماليك؛ لأنه يتمتع بصلاحيات كبيرة جمع فيها بين سلطة رجل القضاء الدينية، والسلطة الإدارية.

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان