إعلان

التكايا.. بيت الأكل وملتقى الدراويش

د. ياسر ثابت

كتب - د. ياسر ثابت

07:00 م الثلاثاء 31 مارس 2026

يعتبر كثير من علماء الآثار والعمارة الإسلامية «التكية» تطورا لفكرة «الخانقاه» التي أقيمت منذ العصر الأيوبي، واستمرت وازدهرت خلال العصر المملوكي، وهي تتشابه مع الخانقاه من حيث الوظيفة كمبنى تقام به حلقات الدروس للمتصوفين، في حين تكون الدراسة في الخانقاه إجبارية، ومن ثم يتولى مشيختها كبار العلماء والفقهاء وتمنح الدارسين بها إجازات علمية، أما التكية فلا التزام على المقيمين بها، ومن ثم فلا تقوم فيها فصول للدراسة المنتظمة، وإن كان الأمر لا يخلو من عقد محاضرات للوعظ والإرشاد تنعقد بها حلقات الذكر.

قبل ازدهار مسمى التكايا في العصر العثماني، كانت الخانقاوات المملوكية موجودة بكثرة في ربوع القاهرة، والخانقاه، أو الخانكاه كما أسماها المقريزي، وأوضحها في الجزء الرابع من خططه، هي: «خانقاه: الخوانك جمع خانكاه وهي كلمة فارسية تعني بيت الأكل وقيل أصلها خونقاه أي الموضع الذي يأكل فيه الملك. والخوانك نشأت في الإسلام في حدود القرن الرابع للهجرة وجعلت لتخلي الصوفية فيها لعبادة الله تعالى. أما في مصر، فلم تظهر الخوانق إلا في القرن السادس الهجري، وكانت العمارة الإسلامية قد بدأت ببناء المساجد والأربطة، فالمدارس والمصليات والخوانق والأسبلة والتكايا».

التكايا، كما جاء في الخطط التوفيقية، جمع تكية، وهي التي كان يسكنها الدراويش من الأغراب غالبا، وهم ممن ليس لهم كسب، إنما لهم مرتبات شهرية وسنوية من ديوان الأوقاف العمومية أو من أوقاف خصوصية، لذلك سمي محل إقامتهم "تكية"، أي أهلها متكئون ومعتمدون في أرزاقهم على مرتباتهم، ومن هذه التكايا تكية "تقي الدين العجمي" بدرب اللبانة، وأنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون، وتكية "الحبانية" وتكية "حسن بن إلياس الرومي" بشارع المحجر، وتكية "الخلوتية" وغيرها الكثير من التكايا.

وفي القرن التاسع عشر كانت التكية العادية تستضيف ما بين أربعة إلى سبعة دراويش، أما التكايا الأكبر حجما فقد كان يقطنها قرابة الثلاثين درويشا أو أكثر، وثمة عدد قليل من التكايا كانت تحوي من خمسين إلى مئة درويش، وكان بعض الدراويش ينتقلون من تكية إلى أخرى مع تغير أحوال الطريقة تقدما أو تراجعا، لكن بمرور الزمن ولى زمن الدراويش تماما، ففي تركيا صدرت القرارات بإغلاق التكايا عام 1925م، وفي مصر لم يعد للتكايا وجود بعد قرار إغلاقها بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م، حيث اندثر معظمها وتهدم، في حين بقي بعضها شاهدا على زمن مضى.

قال علي مبارك في كتابه «الخطط التوفيقية» إن 18 تكية فقط ما تبقى من التكايا في مصر عام 1888، وذكر المقريزي أن أول من بنى «خانقاه» أو «تكية» في مصر كان صلاح الدين الأيوبي سنة 659 هـ، ووقف على تلك التكية التي أطلق عليها «سعيد السعداء» وقفا من عدة أملاك يصرف من ريعها عليها، ورتب للصوفية كل يوم طعاما من اللحم والخبز، وبنى لهم حماما بجوارها، ثم لما مضى الأيوبيون حذا حذوهم السلاطين الجراكسة وبعض الأمراء من الدولة المملوكية، فصار في مصر إلى أول القرن التاسع الهجري 22 خانقاه.

أسس صلاح الدين، إذن، أول خانقاه في القاهرة، عام 1173. وقد مثل هذا رسميا انتصاره على الفاطميين، وبداية العصر الأيوبي. وفي عام 1325، نقل السلطان المملوكي الناصر محمد الخانقاه إلى شمال المدينة. وحول صلاح الدين قصر سعيد السعداء، وهو قصر فاطمي، إلى خانقاه صوفية تسمى الخانقاه الصلاحية (لا ينبغي الخلط بينها وبين مسجد الصلاحية في القدس). ووفرت هذه الخانقاه مكانا لإقامة الصوفيين الذين لم يكونوا من القاهرة. أنشئت هذه الخدمة من قبل صلاح الدين الأيوبي بناء على تبادل الصوفية الداعمة للدولة الأيوبية وسياساتها.

كما استحدث صلاح الدين منصب كبير الصوفية، الذي كانت مهمته إدارة الأنشطة اليومية وتوجيه الصوفية المقيمين في الخانقاه والزائرين لها. وقد شهد هذا المنصب منافسة شديدة نظرا لنفوذه الواسع. حافظ كبير الصوفية على علاقة وثيقة مع السلطان الأيوبي، وحصل على قوة عسكرية ونفوذ، وكان بإمكانه التدريس في المدارس الدينية بالمنطقة. منح السلطان الصوفية في القاهرة صلاحيات واسعة كجزء من صفقة مهمة مقابل الدعم السياسي، الذي كان بالغ الأهمية في ترسيخ شرعية حكم السلطان. غالبا ما لم يميز علماء المماليك بين الخانقاوات والرباطات والزوايا والمدارس الدينية.

وفي قاهرة المعز تتعدد التكايا والزوايا مثل التكية السليمانية والتكية الرفاعية. ومن أشهر تكايا العصر المملوكي والعثماني بمصر، تكية «أبو الدهب» التي صارت متحفا لنجيب محفوظ، وتكية «الكُلشني»، التي تقع في منطقة تحت الربع، تحديدا في عطفة الكُلشني التي تمتلئ بالكثير من الورش والمحال.

وتعد التكية المولوية وسط القاهرة من أهم هذه التكايا، وقد أقامها أتباع الرومي الذين قدموا من قونيا إلى القاهرة. تتكون التكية المولوية من ثلاثة أبنية وهي مدرسة من العصر المملوكي، وتكية من العصر العثماني ومسرح الدراويش. أنشأ المدرسة الأمير شمس الدين سنقر السعدي عام 721هـ/ 1321م، ثم عرفت بقبة حسن صدقة الشرابيشي عام 745هـ/ 1344م، وهي عبارة عن صحن مكشوف لم يتبق منه سوى فسقية مياه (نافورة)، وعلى جانبيه بقايا غرف صغيرة على الطراز العثماني للطلبة، أما التكية المولوية نفسها، فقد أنشئت عام 1005هـ/ 1595م واستخدمت كسكن للفقراء، وتميزت واجهتها بأنها تجمع بين الطرازين المملوكي والعثماني، وقد حلت الطريقة المولوية الصوفية بهذه المدرسة في القرن السابع عشر الميلادي، ثم انتقلت إلى مكان آخر. وفي عام 1255هـ/ 1810م تم بناء مسرح الدراويش (السمع خانة) والذي استخدم في حلقات الذكر التي أقامها أتباع الطريقة المولوية.

تكون عمارة التكية مستقلة بذاتها، أما الخانقاه فقد تكون جامعة أي جامعا أو مدرسة وخانقاه في ذات الوقت.

يختلف تصميم التكية المعماري عن عمارة الخانقاه، فبينما يحتوي الاثنان على صحن (فناء مكشوف مربع)، إلا أنه تحيط بصحن الخانقاه إيوانات متعامدة تستخدم لعقد حلقات الدراسة، وهذه الإيوانات تتعامد على الصحن المربع، وفي أركان هذا المربع توجد خلاوي الصوفية، أي الأماكن أو الحجرات السكنية الخاصة بهم. أما التكية فهي في جميع الأحيان عبارة عن صحن مكشوف يأخذ الشكل المربع تحيط به من الجوانب الأربعة أربع ظلات، كل ظلة مكونة من رواق واحد، وخلف كل رواق توجد حجرات الصوفية السكنية، وهذه الحجرات دائما ما تتكون من طابق واحد أرضي، أما في الخانقاوات فقد تتعدد الطوابق لتصل إلى أربعة.

كما أنه ليس بالتكية مئذنة أو منبر، أي ليست جامعا أو مدرسة، وإنما نجد بجهة القبلة حجرة صغيرة بها محراب لإقامة الصلوات، وأيضا ليجتمع الدراويش في حلقات لذكر الله.

ويذهب بعض الباحثين إلى أن التكايا لعبت دورا في مواجهة تحديات الحياة حين كان يلجأ إليها من يصابون بعاهات نفسية وعصبية وعقلية نتيجة ما أصابهم من بلايا ورزايا أو كوارث طبيعية، فكانت تلك التكايا ساحة للتداوي والعلاج الروحي والنفسي.

وهكذا كانت تلك التكايا صدى لأصوات الذاكرين ومنارا لدروب السائرين؛ سواء لمن ضاقت عليهم الأرض فافتقروا أو ضاقت عليهم أنفسهم فاضطربوا، ولاذوا بتلك التكايا يستريحون من رهق الحياة ويتخففون من وعثائها أو يغسلون عنهم أدرانها التي علقت بهم وهم في طريقهم «للبحث عن الله».

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

إعلان

إعلان