«دعاء عبدالباري»... الذي حرّك أشباح الفاطمية
لم تكن خطبة عيد الفطر مجرد كلمات عابرة يا صديقي القارئ، بل كانت اللحظة التي كشفت أن بعض الأصوات ما زالت ترتجف أمام الحقيقة، وأن هناك من يخاف من كلمة صادقة أكثر مما يخاف من صوت الرعد. وقف الدكتور السيد عبدالباري بين يدي الله بثبات يعرفه كل من سمعه من قبل، وما إن انطلقت كلماته حتى بدا كأن مصر كلها توقفت لتتساءل: ماذا قال الرجل ليهتز هذا الكم من الغبار المدفون؟
وكان المشهد أكثر إثارة يوم بدأ عبدالباري بدعاء مباشر للرئيس عبد الفتاح السيسي، دعاء حمل من الصراحة والامتنان الوطني ما يكفي ليوقظ حساسية البعض قبل أن يصلوا إلى الجملة التي فجرت الجدل. قالها الرجل بصوت الواثق وبنبرة يسمعها كل من له قلب:
«كل عام وحضرتك يا زعيم أمتي بخير. كل عام يا قائد نهضتنا وأنت في خير وعز ومجد وفخار. كل عام وخير أجناد الأرض على العهود والوعود، أسودا تزأر على الحدود. كل عام ورجال أمننا في ستر وأمن وعافية. كل عام وعلماء أمتي على القرآن يجتمعون، وعلى حب سيدنا محمد هم ماضون. كل عام وشعب مصر في أمن الله وأمانه. اللهم ارفع السيف والحيف والقتل من بلاد العالمين، واحقن الدماء يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، أعزنا بالذل لك وحدك، وأغننا بالافتقار إليك وحدك. اللهم اجعل صباحنا صباح الصالحين، وألسنتنا ألسنة الذكر».
هذه الكلمات لم تكن مجرد تهنئة، بل كانت يا صديقي إعلانًا صريحا بأن الرجل يرى مصر كاملة أمامه: قائدا وجيشا وشرطة وعلماء وشعبا. ولهذا تحديدا اشتعل الغيظ في صدور الذين لا يحتملون سماع كلمة احترام للرئيس، ولا رؤية إمام يرفع صوته بالدعاء لمصر كلها بثبات وثقة.
لكن العاصفة الكبرى لم تتحرك إلا حين قال عبارته الشهيرة: «اللهم يا رب بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبالسر الكامن فيها».
هنا قامت القيامة. ولم تمض ثوان يا عزيزي حتى تحولت مواقع التواصل إلى صراخ جماعي. قفز من يلوح بالشيعة، ومن يصرخ بالفاطمية، ومن ينبش في التاريخ كأنه اكتشف بابا سريا لعودة دولة غابرة. وهي ردود مبالغ فيها، لكنها تكشف حقيقة واحدة: أن بعض العقول تخاف من ظلها، وأن هناك من يرتعب من ذكر آل البيت رغم أنهم أصل المودة في الإسلام.
وإذا أعدنا النظر إلى الصورة كاملة، سنجد أن الهجوم لم يكن على العبارة، بل على الرجل نفسه. فعبدالباري ليس شخصية عابرة، بل عالم حاضر بثقل، وصوت له قبول، ورجل خدم الدعوة سنوات طويلة بلا صخب ولا استعراض. وهؤلاء كما تعلم يا صديقي هم أكثر من يزعج أصحاب الضجيج المفتعل.
ولهذا تحولت خطبة العيد إلى محكمة. محاكمة لم تستهدف الفقه ولا العقيدة ولا حتى الصياغة، بل استهدفت مكانة الرجل وهيبته. وكأن بعض النفوس أزعجها أن ترى عالما وطنيا ثابتا لا ينحني ولا يساير فرقعات الفوضى.
والأجمل في كل القصة يا صديقي أن الدكتور عبدالباري التزم الصمت. لم يرد، ولم يهاجم، ولم يدافع. وكأنه يقول لمن يفهم: القامات لا تنشغل بالضجيج، والغبار لا يعلو على الجبال.
وفي النهاية، يبقى الرجل في مكانه، ويبقى أثره، ويبقى حضوره الذي يخشاه البعض لأنه صادق وحقيقي. أما العاصفة فستمضي كما مضت غيرها. وسيظل الناس، كما رأيت بنفسك، يبحثون عن اسمه، ويستمعون لخطبته، ويحبون دعاءه.
فيا صديقي، من يهاجم بهذا الشكل لا يكون ضعيفا قط، بل يكون صاحب قيمة تهز بعض القلوب كما هزت تلك الكلمات أسماعهم.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع