هرمز.. معركة النفط والماء
لا شك أن حالة التصعيد المتبادل بين الجانب الأمريكي - الصهيوني والجانب الإيراني ستصل إلى مرحلة اللا عودة، إذا تم استهداف جزيرة خرج الإيرانية التي تمثل الرئة البترولية، وتعتبر مصدر الحياة الاقتصادية بالنسبة لطهران، لأنها تضم أيضا محطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء الرئيسية في البلاد.
وعندما لوّح ترامب بتدمير جزيرة خرج، جاء الرد الإيراني عاجلا بأنها ستستهدف كل الشركات الأمريكية في منطقة الخليج العربي ومحطات المياه والكهرباء، وسيكون ردًا بالمثل.
ورغم أننا نقف مع الجانب الإيراني في حق الدفاع عن النفس، ضد الاعتداء الإسرائيلي الأمريكي، إلا أننا نرفض رفضا مطلقا إثارة الرعب والذعر واستهداف أي أماكن مدنية في دول الخليج العربي، سواء في السعودية أو الإمارات أو قطر أو البحرين أو سلطنة عمان أو الكويت، بالإضافة إلى الأردن.
الأمور تتصاعد، وأوروبا تلعب دورا كبيرًا في محاولة نزع فتيل الأزمة، بعدم مشاركتها بصورة جدية في الحرب، خاصة مع دخول مضيق هرمز كطرف ثالث للمعادلة، وهو الأمر الذي يبدو أن أمريكا وإسرائيل لم تضعاه في حسبانهما أنه الطرف الأخطر في الحرب، لأنه شريان حياة اقتصادي للعالم كله، لدرجة أن ترامب أصبح في موقف محرج أمام الرأي العام والكونجرس الأمريكي، بعد أن ارتفع سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى 3 دولارات، وهذا لم يحدث منذ عهد بايدن، بينما الناخب الأمريكي أصبح يتحدث علانية أن بلاده تخوض حربا بالوكالة لصالح إسرائيل، وأن جنودها يُقتلون ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يتم استهدافها من أجل عيون تل أبيب، بينما ترفض الدول الأوروبية والصين التدخل في الصراع الذي يزداد اشتعالا كل لحظة في مضيق هرمز، الذي تحول إلى الورقة الحاسمة في معركة الوجود والبقاء بالنسبة لإيران أمام الطوفان الأمريكي.
ولا بد هنا أن نؤكد أن الموقف المصري يحاول بكل السبل الدبلوماسية أن يوقف اشتعال المنطقة بأسرها، وآخر هذه الجهود هي الزيارة المكوكية التي قام بها الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية إلى عدد من الدول الخليجية الهامة، وكذلك الاتصال الذي تم بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس عبد الفتاح السيسي، فهناك محاولات جادة تقوم بها مصر لمحاولة خفض التوتر والتصعيد في المنطقة.
ولكن ما يجعل المهمة شاقة، هو حالة الغضب والصدمة التي يعيش فيها ترامب ونتنياهو، اللذان تصورا أن ضرب إيران سيكون معركة خاطفة بلا عواقب، ففوجئا بالضربات الصاروخية الإيرانية لتل أبيب والقواعد الأمريكية في الشرق الأوسط كله، ثم فوجئا أكثر بتحول مضيق هرمز إلى معركة للنفط، وعندما هدد ترامب باستهداف محطات الكهرباء والماء الإيرانية، فوجئ بالرد الإيراني وقدرتها على استهداف نفس الأهداف في المنطقة، فتحولت محطات تحلية مياه الشرب ومحطات الكهرباء إلى أهداف لم يتم وضعها في الحسبان عند بداية المعركة، وأصبحت أمريكا وإسرائيل في حيرة، لدرجة خروج أصوات تنادي باستخدام رؤوس نووية تكتيكية لمحاولة القضاء على الصمود الإيراني، ولكن هذه ستكون كارثة كبرى، لأن الحرب النووية سيدفع ثمنها المنطقة كلها وشعوب الخليج العربي وبلاد الشام بالكامل.
قلتها كثيرا وأكررها أن (المتغطي بالأمريكان عريان).. وها هي أمريكا تكشف عن وجهها الحقيقي بعدم الدفاع عن دول الخليج العربي التي قدمت لها تريليونات الدولارات من خلال شراء الأسلحة أو دعم الاقتصاد الأمريكي والغربي، بل أصبح وجود أمريكا نفسها في هذه الدول عبئا عليها، لأنها تدفع الآن فاتورة استهداف القواعد والشركات والمصالح الأمريكية فيها، وكل ذلك من أجل لا شيء إلا تحقيق مصالح وأحلام (إسرائيل العظمى).
بل إنه من المفارقات العجيبة والغريبة أن يلوم ترامب بعض دول الخليج العربي على عدم مساعدتها في حماية القواعد الأمريكية أو التدخل لفتح مضيق هرمز، وهذا أمر عجيب، فبدلا من أن تقوم أمريكا بالدفاع عنهم وحمايتهم، تطلب أمريكا الحماية لنفسها.. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذا الرجل (ترامب) هو رجل الصفقات الذي باع الوهم للعرب والعالم.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع