إعلان

الخوف يمشي على أربع

محمد جادالله

الخوف يمشي على أربع

محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

07:00 م الإثنين 09 فبراير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

في شوارع مصر، ومع تصاعد ظاهرة كلاب الشوارع، لم يعد الخطر مفاجأة، بل صار عادة يومية تتسلل إلى تفاصيل الحياة بهدوء مخيف. خطر يتمدد في وضح النهار، يحتل الأرصفة، ويفرض حضوره القاسي، فيجبر الناس على تغيير طرقهم، وتسريع خطاهم، واحتضان أطفالهم أكثر مما ينبغي. صديقي القارئ، كلاب الشوارع لم تعد مشهدًا عابرًا في يوم مزدحم، بل تحولت إلى سؤال ثقيل يتكرر كل صباح على ألسنة الناس وهم يغادرون بيوتهم: من التالي؟

المشكلة لم تعد مجرد نباح يقطع الليل، ولا مطاردة عابثة لطفل ضاحك، بل تهديدًا مباشرًا للحياة نفسها. الأرقام هنا لا تجامل أحدًا. وفق بيانات صحية رسمية ودراسات منشورة، يتعرض ما بين 200 إلى 300 ألف مواطن سنويًا لعضّات كلاب في مصر، بينما تسجل البلاد عشرات الوفيات سنويًا بسبب داء الكلب، مرض قاتل لا يمنح ضحاياه فرصة ثانية. عزيزي القارئ، هذه ليست مبالغة صحفية، بل واقع يُدفع ثمنه من أجساد الناس وأعصابهم وأموال الدولة.

الأخطر، يا صديقي، أن الخوف لم يعد فرديًا، بل جماعيًا. أمّ تمنع طفلها من النزول للعب، أب يسير وهو يلتفت خلفه، شاب يغير طريقه كل ليلة. دراسات نفسية بيئية تشير إلى أن أكثر من 60% من الأسر في المناطق المزدحمة تمنع أبناءها من استخدام الشارع أو الحدائق خوفًا من الكلاب. حين يصل الخوف إلى هذا الحد، فنحن لا نتحدث عن ظاهرة عابرة، بل عن خلل جسيم في إدارة المجال العام.

والخلل، عزيزي القارئ، يُدار بالصمت. لا أرقام معلنة دقيقة، ولا خطة وطنية مستمرة، ولا خطاب صريح يواجه الناس بالحقيقة. نسمع عن حملات قتل عشوائي، ثم تختفي، ونرى بعدها الأعداد تتضاعف. العلم يقول بوضوح إن قتل الكلاب لا يحل المشكلة، بل يفاقمها. تقارير بيطرية دولية تؤكد أن إفراغ منطقة من الكلاب يخلق فراغًا بيئيًا يُملأ خلال شهور بكلاب أكثر عدوانية، وكأننا نعيد إنتاج الأزمة بأيدينا.

دعني أضع الأمر أمامك بوضوح، يا صديقي. العالم واجه هذه الأزمة قبلنا. ألمانيا، مثلًا، لا تعرف ظاهرة كلاب الشوارع تقريبًا، لأن القانون هناك لا يرحم من يتخلى عن كلبه، والغرامات تصل إلى 25 ألف يورو، مع تسجيل إجباري لكل كلب. النتيجة أن نسبة الكلاب الضالة لا تكاد تُذكر. إيطاليا واجهت المشكلة في التسعينيات، فاختارت طريقًا مختلفًا: ملاجئ صحية ممولة من البلديات، وانخفضت الحوادث بشكل واضح، وإن كانت الكلفة مرتفعة.

أما الحل الذي تتبناه المنظمات الدولية اليوم، والذي بدأت مصر في تطبيقه بشكل جزئي، فهو نظام الإمساك والتعقيم والتطعيم ثم الإعادة. الدراسات تؤكد أن السيطرة الحقيقية لا تتحقق إلا إذا تم تعقيم وتطعيم ما لا يقل عن 70% من الكلاب في المنطقة الواحدة. أقل من ذلك يعني استمرار الفوضى. المشكلة ليست في الفكرة، بل في التنفيذ المتقطع، والميزانيات المحدودة، وغياب الاستمرارية.

والأطفال، يا صديقي القارئ، هم الضحية الأولى دائمًا. دراسات مقارنة تشير إلى أن نحو 40% من إصابات العضّات تصيب أطفالًا دون الخامسة عشرة، وغالبًا في الوجه والرقبة. إصابات تترك ندوبًا جسدية ونفسية ترافق الطفل سنوات طويلة. قل لي بصدق: أي مدينة تلك التي لا تحمي أطفالها في شوارعها؟ وأي دولة تقبل أن يصبح الذهاب إلى المدرسة مغامرة غير محسوبة؟

المفارقة المؤلمة أن الفوضى تُدار باسم الرحمة أحيانًا، وباسم الأمن أحيانًا أخرى، وفي الحالتين يغيب العقل. قتل عشوائي لا يحل، وإطعام غير منظم يزيد التجمعات الخطرة، وغياب الرقابة يخلق صدامًا بين مواطن خائف وناشط غاضب، بينما المسؤول الحقيقي يختفي خلف المكاتب والتصريحات الباردة. حين تتحول الرحمة إلى فوضى، والأمن إلى شعارات، فالنتيجة واحدة: شارع بلا سيطرة.

الدولة، يا صديقي القارئ، ليست مطالبة بالمستحيل، لكنها مطالبة بالعلم والحسم. الوقاية أرخص من العلاج، والخطة المستمرة أقل كلفة من الفوضى الدائمة. كل جنيه يُنفق على التعقيم والتطعيم يوفر أضعافه مما يُنفق على اللقاحات والعلاج والخسائر النفسية. دول أقل منا موارد فهمت هذه المعادلة، ونجحت.

القضية في جوهرها ليست صراعًا بين الإنسان والحيوان، بل صراع بين الإهمال والحياة. بين دولة تدير، ودولة تترك الأمور حتى تنفجر. وكل يوم يمر بلا حل حقيقي، عزيزي القارئ، يعني طفلًا أكثر عرضة للخطر، وأسرة جديدة تعيش على حافة القلق، وشارعًا يفقد جزءًا من أمانه.

هذا المقال ليس موجّهًا ضد كائن تائه في الشارع، بل ضد منظومة تؤجل الخطر حتى يتحول إلى مأساة. أكتبه وأنا أفكر في طفل يخرج من بيته ولا يعرف إن كان سيعود ضاحكًا أم مصابًا، وفي أم تقف عند الشباك تنتظر. القضية ليست صراعًا بين الإنسان والحيوان، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية أبسط حقوق مواطنيها: الأمان. وكل يوم يمر بلا حل جذري، هو يوم إضافي يُكتب فيه فصل جديد من الإهمال، ويُترك فيه الشارع ليحاسبنا غدًا بثمن لا يُدفع بالكلمات ولا بالاعتذارات.

إعلان

إعلان