جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع
في كتابه «مُخبرون ومُخبرون: قصة البوليس السياسي السري في عهد الاحتلال من واقع الوثائق البريطانية»، قرر الكاتب والباحث مصطفى عبيد خوض رحلة شاقة في ترجمة وجمع وتدقيق محتوى شائق عن البوليس السري في مصر إبان الاحتلال الإنجليزي في النصف الأول من القرن العشرين.
ويصطحب مصطفى عبيد أدواته التاريخية للتنقيب في ملفات رجال الأمن السياسي السري في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، راصدًا حكايات مخبرين سريين عتاة، واستثنائيين، وغاية في الذكاء والدهاء، كاشفًا عن صراعهم في لعبة الدفاع عن السلطة، وملأت هذا الصراع.
يضم الكتاب، الذي جاء في سبعة فصول مضافًا إليها الإهداء وفصل خاص بالمصادر والمراجع والصور، مادة ثرية عن ملف شائك قلما ودَّ الباحثون الخوض فيه، لكن المؤلف تصدى لهذه المغامرة مدعومًا بعشرات المصادر التاريخية من مقالات صحفية، ومذكرات شخصية، ووثائق مترجمة عن الأرشيف البريطاني، وأوراق قضايا منشورة أو محفوظة في الأرشيف، وإن لم يخلُ الأمر من طرح شيء من الانطباعات الشخصية أحيانًا.
نقرأ على الغلاف الخلفي للكتاب العبارات التالية: "إنها سيرة دامية شارك فيها قتلة، وأشرار، وأبطال، وخونة.. وشهدت تحولات وغرائب وفضائح وجرائم تستحق الحكي.. فمن جورج فليبيدس، الشامي المتنصر الذي جمع ثروته من العمل الأمني، إلى مكفرسون، صاحب المزاج المتقلب، ومن إنجرام، الداهية الإنجليزي الرهيب، وصولًا إلى نجيب الهلباوي الخائن الغامض، ومن كيون بويد المتغطرس، إلى سليم زكي المخيف.. أنت هنا تقرأ تاريخًا آخر سريًا للسلطة في مصر المحتلة، وتتعرف على ميراث ما زال مسكوتًا عنه".
يُمهِّد الكتاب لموضوعه الرئيسي بعرض مبسط لبداية النظام الأمني في مصر بشكل مؤسسي منذ الخلافة العباسية، مرورًا بعهد محمد علي باشا وخلفائه. وهنا تبرز سيرة محمد لاظ أوغلي، رئيس استخبارات دولة محمد علي حتى سنة 1827م، وهو الرجل الغامض، القاسي، الحازم، والضالع في كثير من عمليات التصفية الجسدية التي مارسها محمد علي تجاه خصومه، والذي يُحدِّثنا عنه عبد الرحمن الجبرتي دومًا بوصفه الكتخدا.
يبدو الأمن السري غائبًا عن قصة إنشاء البوليس المصري الحديث عام 1866، عندما استقدم الخديو إسماعيل ضابطًا إيطاليًا يُدعى كارلسيمو، وضابطًا آخر يُدعى المركيز نيجري، وأوكل لهما مهمة إنشاء بوليس حديث في القاهرة والإسكندرية عام 1866. وثمة إشارات غير أكيدة إلى أن البوليس الذي أُنشئ نجح في كشف محاولة لاغتيال الخديو إسماعيل نفسه في أبريل سنة 1869، عندما تم اكتشاف قنبلة وُضِعت تحت المقعد المخصص له في دار الأوبرا المصرية.
ثم يقفز المؤلف سريعًا إلى القرن العشرين، فاختار واقعة تاريخية محددة ليجعلها شرارة الانطلاق الأولى لتأسيس البوليس السري في مصر، قائلًا: "تتنوع المصادر والأطروحات المصرية والأجنبية بشأن بدايات تأسيس نظام البوليس السياسي السري بشكله الحديث، وإن كانت تتفق جميعها على لحظة مفصلية مهمة جعلت الفكرة المطروحة منذ سنوات تستقل قطار التحقق بسرعة واهتمام شديدين. وهذه اللحظة هي اغتيال بطرس باشا غالي، رئيس الوزراء المصري، في 20 فبراير 1910، على يد شاب متطرف وطنيًا يُدعى إبراهيم الورداني".
يمضي المؤلف قائلًا: "لا شك أن واقعة اغتيال بطرس غالي، والتعاطف مع قاتله، تحت ظن أنه نموذج مقاومة للاحتلال البريطاني، سواء في الصحف والمنشورات، أو من خلال الأغاني والأشعار والحكايات التي انتشرت، قد أوضح عدة أمور لكل صاحب رأي أو قرار.
أولهما: أن هناك غضبًا عظيمًا مكتومًا لدى الشباب المصري يوشك أن ينطلق ضد الاحتلال، بل ضد كل العاملين والمتعاونين معه من العناصر المصرية.
وثانيهما: أن هناك خلايا سرية ومجموعات مشتركة لا يعرف عنها أحد شيئًا، يمكن أن تمارس أنشطة مقلقة لأمن الاحتلال ورجاله.
وثالثهما: أنه من الضروري وجود كيان للتنبؤ بالهجمات المستقبلية، سواء ضد الإنجليز أو غيرهم في مصر".
من هنا، يبدأ الكتاب في إحياء السير الشخصية لكل من تعاقبوا على قيادة وإدارة البوليس السري في مصر مع تناولها بالتحليل والدراسة، استنادًا إلى وثائق من الأرشيف البريطاني، ومقالات صحفية، ومصادر مترجمة، ومذكرات شخصية.
البداية من جورج فليبيدس، الذي كان أول شخص يتولى إدارة "المكتب المخصوص للأمن السياسي" بتزكية من هارفي باشا، العسكري النافذ، والعنصر المهم لدى سلطات الاحتلال في مصر. وإذا كان اللورد دوفرين كتب في "تقرير غلادستون" في عام 1883: "إننا نحتاج لتحقيق الأمن في مصر إلى أستاذ أجنبي خبير، قادر على استخدام الكرباج الوطني"، فإن فليبيدس كان أنسب شخص يحقق هذا الأمر؛ فهو رجل ذكي طموح، غير مصري، ولديه خبرات مهمة، وهو قادر على استخدام الكرباج الوطني من خلال توظيفه لشرطيين وخفر أُميين من المصريين يلتزمون الطاعة العمياء، ولا يناقشون أو يُبدون وجهات نظر، فيحققون سرعة التنفيذ.
استخدم فليبيدس فكرة الخلايا المنفصلة، بحيث يُكلِّف كل ضابط لديه بإدارة خلية من المخبرين، وقام بتعريف كل عنصر أمن لديه بحرف أبجدي مثل سين، صاد، عين، حتى لا يعرفه باقي زملائه. وخصص فليبيدس ملفات تفصيلية لكافة الشخصيات العامة في مصر: مسؤولين، وأعيان، وأصحاب أملاك، وكبار رجال دولة، وضباط حاليين وسابقين، وشخصيات مُقربة من السلطة، وصحفيين، ورجال دين، ومجرمين.
كان المخبرون يمارسون عملهم في حيطة وحذر وتكتم شديد، يجوبون الأسواق كأنهم من العامة، ويجلسون على المقاهي، أو يركبون الترام، ويسترقون السمع، أو يراقبون بعض الشخصيات العامة، ليدونوا تقارير يومية عن كل شيء لافت، ليُقدِّموها إلى فليبيدس.
قدَّم فليبيدس بيانات تفصيلية حول 26 تنظيمًا سريًا قائمًا في مصر في عام 1911، يمثلون مفارخ محتملة لكوادر عنف ومقاومة تناصب الاحتلال العداء التام. وتُعد مؤامرة شبرا أول قصة نجاح للمكتب المخصوص، أو لجورج فليبيدس؛ إذ تجاوز الفكرة السائدة بأن مهمة الأمن كشف المجرمين أو الخارجين على القانون، إلى إحباط مخطط لزعزعة الأمن والقبض على المتورطين فيه قبل تحركهم. هذه المؤامرة الخطيرة التي حُددت وقائعها في صيف عام 1912، تمثلت في كشف خلية سرية تضم شبابًا ناشطًا وطنيًا اتُّهم بالتخطيط لقتل القنصل العام البريطاني اللورد هربرت كتشنر، باعتباره أكبر رأس للإنجليز في مصر، واتُّهمت الخلية أيضًا بالتخطيط لاغتيال الخديو عباس حلمي الثاني، ومحمد سعيد باشا ناظر النظار (رئيس الوزراء).
كان جوزيف وليام مكفرسون رجل الأمن التالي بعد فليبيدس، وبدا هذا الرجل محيرًا في فكره، غامضًا في حياته، ومثيرًا للتساؤلات، حتى إن د. عبد الوهاب بكر وصفه في مقدمة ترجمته لكتاب "الموالد" بأنه شخص شديد الصلابة، راهب وعلماني في آن واحد، متقبل للتجارب الجديدة، حساس وسريع الاستجابة عاطفيًا، مُحب للمصريين كبشر، لكنه مُحتقر ومُزدَرٍ لآمالهم السياسية، انعزالي ومُحب للصحبة الجيدة، مؤمن بالكاثوليكية وشديد الاعتداد بالإسلام والتعمق فيه، ومن الممكن أن يكون رحالة ومستكشفًا وفيلسوفًا وأستاذًا ومُعلِّمًا ومديرًا.
يتناول مصطفى عبيد في كتابه ألكسندر إنجرام، الذي باشر قضية مقتل سردار الجيش البريطاني السير لي ستاك عام 1924، ثم ألكسندر كيون بويد، وصولًا إلى سليم زكي، الذي كان أول مصري يتقلد المنصب.
لم يكتفِ الكتاب بعرض سير تلك الشخصيات التي عملت لصالح سلطة الاحتلال في المقام الأول، وتدرُّجها المهني وملابسات شغلها للمنصب الأخطر أمنيًا في مصر عبر تسلسل زمني، بل تطرق إلى أساليب عملها وطرق تفكيرها، والثغرات التي استطاعت من خلالها تجنيد العملاء والوشاة، سواء بالإغراء أو الترهيب، والأساليب التي استخدمتها في انتزاع الاعترافات ومعاملة السجناء السياسيين.
وهو ما فتح نوافذ كثيرة على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين، ليس من منظور تاريخي أو سياسي، لكن من وجهة نظر رجال الأمن الغربيين.
كما اختار المؤلف أن يسلط الضوء على نموذج لمن تعاونوا مع البوليس السري في عهد الاحتلال الإنجليزي، وأفرد له فصلًا منفصلًا بعنوان "نجيب الهلباوي.. فدائي انقلب خائنًا"، سرد فيه بشكل مفصل دور الهلباوي "في الإيقاع بأكبر تنظيم فدائي سري في تاريخ الاحتلال".